من قال لك : إن الإنسان ينبغي ألا تكون حياته جميلة ؟

 

فكأن الزينة حاجة في الإنسان ، الإنسان يسكن في بيت ، لكن يستمتع في بيت مطلي بطلاء لطيف ، فيه ألوان جميلة .
هناك إنسان يرتدي ثيابا تستر عورته ، لكنه فوق ذلك يحبها ثياباً جميلة ، بألوان أنيقة ، وبألوان متناسبة ، فكأن الله سبحانه وتعالى أودع فينا حب الشيء الجميل ، وقد قالوا : الإنسان فطر على حب الجمال ، والكمال ، والنوال ، النوال ، وهو العطاء ، فكلّ واحد منا دون استثناء يحب الشيء الجميل ، يحب البيت الجميل ، يحب الثياب الجميلة ، يحب الأداة الجميلة ، يحب الآلة إذا كانت جميلة ، لذلك الآن قضية الجمال واضحة جداً في العالم ، فأيّ شيء له مظهر جميل ، هذا شيء ليس منافياً للفطرة

 

لكن العالَم الغربي بالغ بتجميل الحياة ، حتى أصبحت حياته مهوى للقلوب ، ونحن قصرنا كثيراً ، فلم نعبأ بتجميل بلادنا حتى نفر منها أبناءنا ، والجمال لا يحتاج إلى أموال طائلة ، بل يحتاج إلى ذوق ، وجنة المؤمن داره ، وأحياناً يكون الطلاء بسيطا ، ورخيصا جداً ، لكنه طلاء بلون زاهٍ ، والأثاث متناسب مع لون الطلاء ، وكل شيء في الغرفة مشتق من لون موحد .

 

مرة دخلت إلى صالة للأفراح وللتعزية ، لفت نظري تناسق ألوان عجيب ، فالإنسان يرتاح .
من قال لك : إن الإنسان ينبغي ألا تكون حياته جميلة ؟

كن متأنقاً في ثيابك ، اختر ألواناً تناسبك ، اختر أدوات فيها مسحة جمالية ، هذه حاجة أساسية ، لا تنتقد الآخرين إذا أرادوا أن يكون الشيء جميلاً ، هذه فطرة ، لكن ما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا وجعل لها قناة نظيفة ، الجمال في البيت ، في المدخل ، في غرفة الضيوف ، في التناسق ، في الأزهار ، لكن أن تصل إلى الجمال عن طريق المعاصي والآثام فهذا لا يجوز .

 

المرأة جميلة ، لكن الله سبحانه وتعالى جعل لك لهذا الجمال طريقاً شرعياً ، أن تتزوج فقط ، والبيت جميل ، لكن جعل لك لهذا البيت الجميل طريقاً واحداً ؛ أن تعمل عملاً شريفاً ، وأن تكسب رزقاً حلالاً ، وأن تشتري بيتاً جميلاً ، أما أن تكون متعتك بالجمال على حساب دينك ، وعلى حساب مبادئك ، فهنا الخطأ ، وقد رسب من يفعل هذا بالامتحان .
إذاً :

﴿ يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا ﴾

الحاجات التي خلقها الله عز وجل تحقق هدفا وظيفيا ، وهدفا جماليا ، وأيُّ شيء الله عز وجل خلقه ، فالتفاحة فضلاً على أنها مغذية ، وفيها مواد سكرية ، وفيها معادن ، وفيها فيتامينات ، فضلاً على كل خصائصها ، وفضلاً على رائحتها الطيبة ، وطعمها الطيب ، ومنظرها الجميل ، أحياناً هناك لوحات فنية فيها فواكه ، تفاحة جميلة جداً ، الموز جميل ، الأجاص جميل ، العنب جميل ، الله عز وجل علمنا أن كل شيء خلقه لنا يحقق هدفاً وظيفياً وهدفاً جمالياً .

 

فلذلك الجمال مطلوب ، والمؤمن جميل ، ويحب الجمال ، لكن يحب وفق منهج الله ، ولا يحيد عن منهج الله قيد أنملة .

 

كان عليه الصلاة والسلام إذا مشى يُعرف بطيب الرائحة .
كان عليه الصلاة والسلام يرتدي أجمل ثيابه في المناسبات والأعياد .
كان عليه الصلاة والسلام له ثياب يرتديها إذا لقي الوفود ، وفي خطبة الجمعة .

 

أنا أتمنى ، وهذه مناسبة ألاّ نبتعد عن الجمال ، ألا نجعل بلادنا ليست جميلة ، تجد الطرقات ليست جميلة ، لأن الانتماء فردي ، البيوت جميلة جداً ، أما الطرقات فغير جميلة ، ليس هناك انتماء جماعي ، أن هذا الشيء يخرش منظره ، قد يضع أشياء لا يحتاجها في الشرفة ، ومنظر الشرفة فيها أشياء قديمة مكسورة ، معطوبة ، لا يهمه ذلك ، البيت جميل من الداخل ، فيه أناقة ، وجمال ، لكن الشرفة هذه للناس ، يضع فيها أشياء ليست مقبولة ذوقاً .

إنسان بلمسات خفيفة يجعل بيته جنة بلمسات خفيفة ، مسمار عليه شريط ، منظره غير لائق ، يقلع المسمار ، ويضع مكان الثقب معجون فصار المنظر جميلا ، والأشياء الدقيقة يمكن أن تطفي على الإنسان شعوراً بالجمال .
أنا لست مع أن نكون أتقياء ، وبلادنا غير جميلة ، بيوتنا غير جميلة ، تدخل إلى صيدلية أحياناً فيها أناقة ، وفيها نظافة ، وفيها نظام يلفت النظر ، وصيدلية أخرى الأدوية فوق بعضها ، الغبار ، يا لطيف شيء لا يحتمل ، فالنظافة من الإيمان ، والأناقة من الإيمان والأشياء الجميلة من الإيمان

 

هناك سوءات فكرية ، إنسان جاهل ، هناك سوءات أخلاقية ، كالكاذب ، والمخادع ، والمنافق ، والمستكبر .
صدقوا أيها الإخوة كما أنك تتقزز من منظر قبيح ، من ثياب قذرة ، من ثياب متنافرة في ألوانها ، كما أنك تتقزز من مركبة لم يفكر صاحبها أن يغسلها من سَنة ، كما أنك تتقزز من بيت فيه حاجات غير منسقة غير مرتبة ، قبيحة المنظر ، فوضى ، ليس هناك نظام ، ولا ترتيب ، المؤمن يتقزز من كلمة بذيئة ، من مزاح رخيص ، من مزاح جنسي ، من كِبر ، من استعلاء ، من نفاق ، من إنسان ذي وجهين ، هذه سوءات ثانية ، والله لا أبالغ لعل السوءات الثانية أشد إيلاماً للنفس من السوآت الأولى .

﴿ يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ ﴾

منقول من موقع محمد راتب النابلسي

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: