” من قتل الكاهنة ؟؟ ” … بقلم الناشط السياسي فراس العيني

كثيرة هي القضايا الغامضة في تونس بعد الثورة و خاصة منها عمليات الاغتيال، عمليات حظيت بالتغطية الإعلامية و الاستثمارات السياسية  و عمليات أريد لها أن تطوى بسرعة و أن تبقى طي الكتمان و في دهاليز النسيان و في أقبية الغموض و الإهمال. فأي مستقبل للحياة السياسية في تونس حين يصبح الاغتيال سلاحا رائجا و سهل الاستعمال؟ و هل وصلت جريمة اغتيال “كاهنة حسين” إلى درجة من التشعب جعل منها واحدة من بين أكثر القضايا غموضا و أقلها تداولا؟ أم أن الأطراف المتورطة في هذه القضية يملكون من النفوذ ما يجعلهم قادرين على تحويل العدالة عن مجراها الطبيعي؟

لم يستوفي التحقيق في جريمة “كاهنة حسين” كل شروطه و بقيت العديد من الأسئلة معلقة بدون إجابة و بقي الساعون وراء الحقيقة يلاحقون المعطيات و يبحثون عن إثباتات لجريمة وقعت منذ 3 ديسمبر 2012 و بقيت الشكوك قائمة حول حقيقة مقتلها إلى يوم هذا.

“الكاهنة حسين” الفتاة البالغة من العمر 19 عاما و الناشطة في صفوف حزب العمال الشيوعي كانت على موعد مع الموت يوم 3 ديسمبر 2012 حين وُجدت مرمية أمام نزل “الهناء آنترناسيونال” الذي يتوسط شارع الحبيب بورقيبة و اختلفت الروايات بين من قال أنها رمت بنفسها من الطابق الرابع و بين من يقول أنها رمت بنفسها من الطابق العاشر و بين من يتوجه بأصابع الاتهام إلى الليبيين الذين رموها من إحدى طوابق هذا النزل، ليشتت الانتباه حول القضية و يشوه سمعة الضحية و يوسع دائرة الاتهام إلى حد التمييع.

و تبدأ الشكوك حين يجد المحققون الهاتف النقال الخاص بالضحية ملقى إلى جانب جثتها دون أن يمسسه سوء، و يجد الأطباء آثار ضرب على الجسد ليس الارتطام بالأرض سببا من أسبابها، كما أن المحيطين بالضحية يستبعدون فكرة الانتحار كفكرة قد تراود الفتاة ذات 19 ربيعا،كما أن عدسات المراقبة في نزل الهناء لم ترصد دخول الضحية أصلا، و مما يزيد من عمق الشكوك و غموض هذه الجريمة هو تضارب أقوال رفاقها المحيطين بها الذين أنكروا رؤيتها ذلك اليوم و هي التي كانت متواجدة قبل ساعات من لحظة وقوع الجريمة في الاعتصام الذي دعا له حزب العمال الشيوعي بباردو أمام المجلس التأسيسي و هي التي لا تتغيب عن هكذا نشاطات و هو ما أثبتته الصور و الفيديوهات.

و بمزيد من التحقيق و البحث نجد أن العلاقة بين “دايا” -كما يسميها الرفاق- و قيادات حزب العمال كانت مهتزة و يعكر صفوها الكثير من المشاكل داخل الحزب بعض هذه المشاكل كان حمة الهمامي طرفا فيها و بعض هذه المشاكل أساسها عميق و غامض.
إذ صرّح بعض الرفاق أن “كاهنة” حضرت يوم الخامس والعشرين من أكتوبر 2011 لقاء غير معلن لهيئة الحزب المركزية، في منطقة حمام الشط المجاورة لمنطقة سكنها في الضاحية الجنوبية قرب العاصمة، وترأس اللقاء يومها حمة الهمامي، قبل أن تحدث اشتباكات لفظية بينه وبين المتوفاة. و في اللقاء ذاته، أعلنت كاهنة في شكل صريح رفضها كل ما صدر عن اللقاء، حيث أقر الحضور مخططا لتمويل حملة احتجاجات تهز أمن منطقة سليانة. وعلى حد قول الرفاق، فإن احتجاج كاهنة الصارخ ضد قرارات الحزب، جعل بعض المسؤولين يسعون إلى إقناعها بشتى السبل، أن لا تكشف ما دار خلال اللقاء، ووصل الأمر إلى حد منعها العودة لمنزلها حتى ساعة متأخرة، لكن دون جدوى.

كما أن البعض يتحدث عن أن السبب الرئيسي لاستبعاد “كاهنة” من الحزب هو اكتشافها لمصادر تمويل مشبوهة من رجل أعمل ليبي و رجل أعمال جزائري بعض من هذه الأموال ذهب في جيوب بعض مرتزقة الحزب في أحداث سليانة و غيرها من أحداث و ما صاحبها من عنف و فوضى و تخريب و أن “دايا” هددت بتسريب هذه المعلومات إن لم يتوقف حمة الهمامي عن هذه الممارسات الدنيئة و إن لم يتوقف عن تلقي المال القذر من هنا و من هناك.

تقول والدة الضحية إن ابنتها شاركت صباح يوم الجريمة في وقفة دعا إليها حزب العمال أمام مقر المجلس التأسيسي، وتضيف الوالدة المكلومة أن “كاهنة” قضت مقتولة، وأن كاميرات الهناء لم تثبت دخولها النزل. وتساءلت بالقول: لماذا تم التعتيم على تفاصيل الحادثة، على رغم مكانة ابنتي داخل حزبها؟ ولماذا رفض حمة الهمامي أمين عام الحزب الحديث عن مقتلها في غير مناسبة؟ ولماذا أنكر بعض رفاقها تواجدها في ساحة “باردو” يوم الحادثة، عكس ما أثبتته كل الصور و الفيديوهات؟
كما أن والدة الضحية أضافت أن ابنتها تلقت رسائل تهديد بالقتل تم إبلاغ رجال الشرطة عنها و أن هذه الرسائل لم تقتصر على الفايسبوك و إنما أكدت الأم أن ابنتها وصلتها رسائل تهديد عبر هاتفها النقال، تزامنت مع مضايقات وتغيير جذري في المعاملة تعرضت إليه الضحية من قبل رفقها في الحزب.

كل القرائن تشير  إلى أن وفاة “كاهنة حسين” لم يكن مجرد انتحار و إنما هو جريمة مدبرة، و بين مدبّر و منفّذ و متستّر يبقى دم الفتاة معلقا في رقابهم إلى يوم الدين الذي لا يؤمنون به، و لكن قبل ذلك يعمل الكثيرون ممن يرفعون شعار العدالة و مكافحة الظلم بكل تمظهراته على كشف ملابسات هذه الجريمة بالقرائن و الدلائل الدامغة و لا بد للعدالة أن تأخذ مجراها إذ لا يضيع حق وراءه طالب رغم أن هذه القضية صارت ثقبا أسودا يبتلع كل من تسول له نفسه كشف ملابساتها و ليس المدون و الناشط السياسي أيمن بن عمار إلاّ مثالا من بين الأمثلة حين كشف أن موقع الجريمة لم يكن نزل الهناء و إنما منزل في منطقة رادس -واللبيب من الإشارة يفهم-.

كل القرائن تشير أن “كاهنة حسين” كانت تستعد لمغادرة الحزب و كشف المستور إلاّ أن يد الغدر و الإجرام قد سبقتها كي تموت معها الكثير من الحقائق حول ثلة من السياسيين المتورطين في مال سياسي أجنبي قذر و ممارسات قد تقضي على مستقبلهم السياسي و تكشف زيف نضالهم القديم.

بقلم فراس العيني – ناشط سياسي –

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: