من قضاة الإسلام: ابن خلدون/مع أ.د. فؤاد عبدالمنعم أحمد

من قضاة الإسلام: ابن خلدون/مع أ.د. فؤاد عبدالمنعم أحمد

 

أثمر الفكر الإسلامي في ابن خلدون نتاجاً إنسانياً، فكان له فضل السبق في تأسيس علم الاجتماع وأسهم بدور كبير في علم التاريخ وفلسفته والسياسة والاقتصاد.

وقد كانت هذه الجوانب من شخصية ابن خلدون محل دراسات بل وأطروحات علمية. ويهمنا أن نسلط الأضواء عليه كقاضي قضاة المالكية في مصر ومدى إسهامه في الإصلاح القضائي في عصره، وقد ترك لنا ابن خلدون ترجمة ذاتية رسمت الخطوط الكبرى من حياته تعين على دراسته في ضوء التحليل العلمي الحديث.

معالم حياته:
• ولد في أول رمضان سنة 732هـ (27 مايو سنة 1332م) بتونس عبد الرحمن بن محمد (ابن محمد بن محمد الحسن بن جابر بن محمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن) بن خلدون، ويكنى أبو زيد، واشتهر بابن خلدون نسبة إلى جده التاسع، ويرجع ابن خلدون أصله إلى العرب اليمانية في حضرموت، ونسبة إلى وائل بن حجر، ويعتمد في ذلك على رواية العلامة النسابة الأندلسي الإمام ابن حزم (المتوفى 456هـ) عند الكلام في دخول رأس هذه الأسرة إلى الأندلس والمغرب مع الغزاة الفاتحين. ولقد كان لهذه الأسرة أثر كبير في السياسة والعلم في الأندلس وقد وصفها المؤرخ ابن حيان (من رجال القرن الخامس الهجري) فقال:«بيت ابن خلدون إلى الآن في إشبيلية نهاية في النباهة. ولم تزل أعلامه بين رياسة سلطانية ورياسة علمية».

• عزف والد ابن خلدون (أبو عبد الله محمد) عن السياسة واضطرابها فقد ارتفع فيها من أفراد أسرته من وصل إلى أمارة اشبيلية وانتهى الأمر بقتله تعني به كريب ابن خلدون- وآثر حياة الدرس والعلم، يقول لنا ابن خلدون عن أبيه «نزع عن طريقة السيف والخدمة إلى طريقة العلم والرباط. فقرأ وتفقه، وكان مقدماً في صناعة العربية وله بصر بالشعر وفنونه».

• وكان ذلك الأب هو المعلم الأول في حياة ابن خلدون فأحفظه القرآن وفقهه في القراءات السبع وأسهم معه علماء الأندلس الذين نزلوا بتونس بعد انهيار الأندلس في القرن السابع الهجري في تعليم ابن خلدون شيئاً من التفسير والحديث والفقه المالكي الذي هو المذهب السائد في المغرب العربي. ويذكر لنا ابن خلدون أسماء معلميه في كل علم وفن، ويعني عناية خاصة بترجمتهم ووصف مناقبهم ولكن تلحظ أن اثنين من أساتذته كان لهما أكبر الأثر في ثقافته الشرعية واللغوية والحكمية: أحدهما، محمد بن عبد المهيمن الحضرمي إمام المحدثين والنحاة بالمغرب وقد أخذ عنه الحديث ومصطلح الحديث والسيرة وعلوم اللغة، والثاني: أبو عبد الله محمد بن إبراهيم الآبلى شيخ العلوم العقلية التي تشمل المنطق وما وراء الطبيعة والعلوم الرياضية والطبيعية والفلكية والموسيقى.

• وعكف ابن خلدون على الدرس والتحصيل وشهد له أساتذته بالنبوغ والتفوق والإجازة فيها اطلع عليه ودرسه حتى بلغ الثامنة عشرة من عمره، وفيها طوى بساط الموت والديه في الفناء الكبير (الطاعون الجارف) بالنكبة التي حلت بالشرق والمغرب معاً (749هـ – 1349م) ويشير إليها ابن خلدون بقوله (فيها ذهب الأعيان والصدور وجميع المشيخة وهلك أبواي رحمهما الله) وهاجر معظم العلماء والأدباء الذين أفلتوا من هذا الوباء الجارف من تونس إلى المغرب الأقصى سنة 750 فولى ابن خلدون وجهه شطر الوظائف العامة والسير في الطريق الذي سار فيه جداه الأول والثاني وكثير من قدامى أسرته فقضى ستة أعوام موظفاً بفاس فعمل مع السلطان أبو عنان.

وكان ابن خلدون عضواً في مجلسه العلمي وأحد كتابه وموقعيه وذلك في الفترة من 755هـ إلى 758هـ. وقد قضى بعد ذلك سنتين في سجن فاس (758-760هـ) لصلته بالأمير محمد صاحب بجاية المخلوع والذي كان أسيراً في فاس – وفي سنة 760 أفرج عن ابن خلدون الوزير الحسن بن عمر وولاه وظائفه السابقة، كما ولاه السلطان منصور بن سليمان في نفس السنة وظيفة الكتابة وولاه السلطان أبو سالم في شئون كتابة السر والإنشاء والمراسيم ثم تولى خطة المعالم (760 إلى آخر 762هـ).

كما أبقاه الوزير عمر بن عبد الله على الوظائف السابقة (763-764هـ).

• رحل ابن خلدون إلى الأندلس في سنة 764هـ بعد أن كتب إلى صديقه: سلطانها محمد ووزيره ابن الخطيب بمقدومه، ولما وصل ابن خلدون غرناطة اهتم السلطان والوزير بمقدمه واحتفيا به وأكرما مثواه، ونظمه السلطان في أهل مجلسه، وقربه إليه وأثره بصحبته وأسماره، واختصه في العام التالي (سنة 765هـ) بالسفارة بينه وبين ملك قشتالة، فنجح في تلك السفارة وتم عقد صلح بين سلطان الأندلس وملك قشتالة وانتظمت العلاقات السياسية بينهما فارتفعت مكانة ابن خلدون لدى سلطان الأندلس وأقطعه الأرض الخصبة يتبوء فيها فزاد رزق ابن خلدون واتسعت أحواله وطلب ابن خلدون من السلطان أن يسمح له باستقدام أسرته من قسطنطينة فسمح له.

• وشعر ابن الخطيب بأن سلطان الأندلس قد قدم ابن خلدون عليه لديه فدفعته عوامل الغيرة والتنافس بأن يقصى ابن خلدون وقدم السعايات إلى السلطان وأيدها عن يد عمه فتقبلتها نفس السلطان، وشعر ابن خلدون بإعراض السلطان عنه، فأدرك أنه لم يبق للبقاء موضع، وقد وصلته في الوقت ذاته رسالة من صديقه الذي حبس من أجله سنتين وهو الأمير أبي عبد الله محمد أمير بجاية، يحيطه فيها أنه قد استرد ملكه، وأنه يرغب في مقدمه، فاستأذن سلطان الأندلس فأذن له، وشيعه مكرماً.

• وصل ابن خلدون إلى بجاية عن طريق البحر في منتصف 766هـ (1364) فاستقبله أميرها وأهلها استقبالاً عظيماً، وولاه أمير بجاية منصب الحجابة وهو أعلى منصب في الدولة ويعادل منصب رئيس الوزراء في عصرنا وقد وصف ابن خلدون سلطات المنصب فقال:«الاستقلال في الدولة والوساطة بين السلطان وأهل دولته، لا يشاركه في ذلك أحد». كما أن السلطان صرح له واختصه بالخطابة والتدريس في أكبر مساجد ولاية بجاية (جامع القصبة) فجمع ابن خلدون بين يديه أكبر مناصب السياسة وأرفع مناصب العلم، وتمكن من تدبير الأمور بحزم وعزم فعالج الفتن القائمة، وتجول بين القبائل البدوية ونجح في تحصيل الضرائب منها بصرامته ودهائه. وفي سنة 767هـ تمكن السلطان أبي العباس أحمد صاحب قسطنطينية من قتل ابن عمه أبا عبد الله ودخل بجاية ظافراً يحدثنا ابن خلدون عن أثر ذلك فيقول:
(وجاءني الخبر بذلك وأنا مقيم بقصبة السلطان وقصوره، وطلب مني جماعة من أهل البلد القيام بالأمر، والبيعة لبعض الصبيان من أبناء السلطان، فتفاديت من ذلك، وخرجت إلى السلطان أبي العباس، فأكرمني وحياني، وأمكنته من بلده)، فأكرمه أبو العباس، وأقره على منصب الحجابة حيناً، ثم ما لبث أن شك فيه، فتنكر له ورغب عن خدمته، فتوجس ابن خلدون خفية منه، واستأذنه في الانصراف إلى أحد الأحياء القريبة فأذن له، ولكن عن له بعد ذلك أن يقبض عليه، ففر ابن خلدون إلى بسكرة لصداقة بينه وبين أميرها حيث قضى سبع سنين (من منتصف 767 إلى منتصف 774هـ) في الدسائس والمغامرات لحساب أبي حمو سلطان تلمسان ضد أبي العباس سلطان بجاية أولاً، ثم لحساب أبي فارس عبد العزيز سلطان فاس ضد أبي حمو ثانياً، منها نحو سنتين (774-776هـ) قضاها في فاس بعيداً عن وظائف الدولة في كنف الوزير ابن غازي، ما عدا بضعة أشهر في آخرهما قضاهما في عهد السلطان أبي العباس أحمد.

• وفي ربيع سنة 776 رحل ابن خلدون رحلته الثانية إلى الأندلس تاركاً أسرته بفأس، وكان موضع ريبة من أمراء المغرب جميعاً لدسائسه، فما كاد ينزل ضيافة سلطان الأندلس ابن الأحمر حتى كانت ملاحقة أمراء المغرب له وخاصة بلاد فارس وطلبوا من ابن الأحمر تسليم ابن خلدون فأبى، فطلبوا إليه أن يقصيه من أرضه إلى المغرب فأجابهم لمطلبهم.

• عقد ابن خلدون العزم – وقد امتد أثر السياسة إلى إيذاء زوجه وأولاده وحجبهم عنه ثم أقصاه عن الأندلس، وقد نزل في مرسى «هنين» لا يعلم أين يمضي؟

أن يتفرغ للقراءة والتأليف وأن يترك شئون السياسة، لأن الأولى لا تقل في إبراز الإنسان في عين معاصريه عن الثانية بل يمتد أثر الأولى إلى الأجيال المقبلة (ليسهم في تحقيق صالح المجتمع البشري) وقد ساعد على نزوله في تلمسان وجود شقيقه يحي في خدمة أميرها أبو حمو وشفاعة الوسطاء لدى هذا الأمير للعفو عنه وتحقق رجائهم، فنزل ابن خلدون في قلعة ابن سلامة ووصل إليه زوجه وأولاده، وعكف أربع سنوات من 776هـ-780هـ ينعم فيها بالاستقرار والهدوء وتفرغ فيها للدراسة والتأليف وأثمر مؤلفه التاريخي المشهور «العبر» وقدم لهذا المؤلف ببحث عام في شئون الاجتماع الإنساني وقوانينه وحرف هذا البحث فيما باسم «مقدمة ابن خلدون».

• ولما عزم ابن خلدون على الرجوع إلى مسقط رأسه تونس حيث وفرة المراجع التي تعينه على تهذيب كتابه «العبر» فكاتب سلطان تونس أبا العباس- الذي انتزع بجاية – قتل ابن عمه والذي تنكر لابن خلدون فتنكر ابن خلدون له وقضى مدة طويلة في الدسائس والمغامرات ضده يطلب الصفح والعفو، فعفى عنه وأكرمه، ومكث في تونس من 780هـ- 784 ينقح كتابه «العبر» وأهداه إلى السلطان أبي العباس. وقد عكر صفو ابن خلدون أمر السلطان أبي العباس لابن خلدون بالخروج معه لمقاتلة الخوارج عليه في «توزر» فخرج معه مكرهاً، ثم تأهب السلطان للخروج في جيشه مرة أخرى فخشى ابن خلدون أن يعود السلطان إلى استصحابه في حملته – وقد عافت نفس ابن خلدون السياسة – فتعلل للسلطان بعزمه على قضاء فريضة الحج وتضرع إليه أن يخلي سبيله، فأذن له وغادر ابن خلدون وطنه ومسقط رأسه مرة أخرى، فكانت الهجرة الأبدية وخرج إلى مرسى السفينة في حفل مؤثر من الأعيان والأصدقاء والتلاميذ يودعونه بين مظاهر الحزن والأسى، وركب البحر إلى المشرق في منتصف شعبان 784هـ (أكتوبر سنة 1382م).

• وصل ابن خلدون إلى الإسكندرية بعد رحلة بحرية شاقة في يوم عيد الفطر ولبث فيها شهراً ووصل إلى القاهرة في أول ذي القعدة 784هـ، وكانت القاهرة قبلة العالم الإسلامي في المشرق والمغرب ولها الشهرة الواسعة في حماية العلوم والآداب، وكان ابن خلدون يأمل أن يقضي أيامه في مصر في هدوء ودعة ويتمتع بقسط من الرعاية والحماية الممنوحة للعلماء. وقد سبق ابن خلدون إلى مصر مؤلفه الضخم «العبر» ولاسيما مقدمته التي تضمنت من جدتها وروعة مباحثها وطرافتها أن أقبل على ابن خلدون العلماء والطلاب من كل صوب، يقول ابن خلدون في كبرياء وتواضع معاً: «وانثال علي طلبة العلم بها يلتمسون الإفادة مع قلة البضاعة ولم يوسعني عذراً».

ويؤكد ذلك ما تشير إليه التراجم المصرية نفسها فيقول ابن تغرى بردى في ترجمته لابن خلدون:«واستوطن القاهرة وتصدر للإقراء بالجامع الأزهر مدة،واشتغل وأفاد». ويقول السخاوي:«وتلقاه أهلها أي أهل مصر- وأكرموه وأكثروا ملازمته والتردد عليه، بل تصدر للإقراء بالجامع الأزهر مدة». جلس ابن خلدون للتدريس بالأزهر، ويبدو أنه كان يدرس الحديث والفقه المالكي، ويشرح نظرياته في العمران والعصبية وأسس الملك ونشأة الدول وغيرها مما عرض إليه في مقدمته. وكانت هذه الدروس خير إعلان عن غزير علمه، وشائق بحثه، وساجر بيانه، وكان ابن خلدون محدثاً بارعاً رائع المحاضرة، يخلب ألباب سامعيه بمنطقه وذلاقته، وهذا ما يحدثنا به معاصريه من أعلام الفكر والأدب المصريين فيقول لنا ابن حجر العسقلاني، وقد درس عليه وانتفع بعلمه ووصفه بقوله:«وكان لسنا، فصيحاً، حسن الترسل وسط النظم مع معرفة تامة بالأمور خصوصاً متعلقات المملكة». وذكر الركراكي كما نقله عنه السخاوي «إن محاضرته إليها المنتهى».

• خلا منصب التدريس بالمدرسة القمحية، بجوار جامع عمرو، وهي من مدارس المالكية فعينه السلطان فيه، وشهد المجلس الأول لابن خلدون في هذه المدرسة جمهرة من الأكابر والعلماء أرسلهم السلطان لشهوده ويقول لنا ابن خلدون عن أثر هذا المجلس «انفض هذا المجلس وقد شيعتني العيون بالتجلة والوقار».

• وفي أواخر جمادى الآخرة سنة 786هـ عين سلطان الظاهر برقوق ابن خلدون في وظيفة قاضي قضاة المالكية بدلاً من القاضي المعزول جمال الدين بن خير الإسكندري. ويصف ذلك ابن خلدون في سخرية «وأقمت على الاشتغال بالعلم وتدريسه إلى أن سخط السلطان قاضي المالكية يومئذ في نزعة من النزعات الملوكية، فعزله واستدعاني للولاية في مجلسه وبين أمرائه، فتفاديت من ذلك، وأبى إلا مضاءه». ولقد كانت مناصب التدريس والقضاء دائماً مطمع جمهرة الفقهاء والعلماء المحليين، ولم يكن مما يحسن وقعه لديهم أن يفوز بها ابن خلدون المغربي الوافد دونهم. فإذا حمل الأمانة وأدى الرسالة وأصلح أحوال القضاء مما يسوده حينئذ من فساد واضطراب بعيد في نظر الحاقدين الساعين إلى إزالة المنصب معه إلى جهل بالإجراءات وقد كثرت السعاية في حقه والإغراء به حتى «أظلم الجو بينه وبين أهل الدولة على حد تعبيره ووافق ذلك مصابه بالأهل والولد، وقد تشفع في إحضارهم له – وقد حجزهم سلطان تونس ليجبر ابن خلدون على العودة إلى تونس- سلطان مصر، ولكن السفينة التي كانت تحملهم أصابها قاصف من الريح فغرقت، يقول لنا ابن خلدون:«وذهب الموجود والسكن والمولود، فعظم المصاب والجزع، ورجح الزهد، واعتزمت على الخروج من المنصب فلم يوافقني عليه النصيح ممن استشرته خشية من نكير السلطان وسخطه »، ولم يمض وقت قليل حتى عزل من منصبه لأول مرة في السابع من جمادى الأولى 787هـ، أي أنه لبث في المنصب نحو عام من ولايته، فانقطع ابن خلدون إلى الدرس والتأليف مع شغف النفس بالعودة إلى المنصب.

• عينه السلطان أستاذاً للفقه المالكي في المدرسة «الظاهرية البرقوقية» في سنة افتتاحها عام 788هـ، وفي سنة 789هـ مضى لأداء فريضة الحج، وبعد عودته وفي المحرم 791هـ ولاه السلطان منصب كرسي الحديث بمدرسة «عمر غتمش»، وفي ربيع الآخر من 791 هـ عينه السلطان شيخا- «لخانقاة بيبرس» وهي تكية للصوفية، وكان يشترط في شيخها أن يكون عضواً في هيئة المتصوفين فنزل ابن خلدون يوماً واحداً بها، وقيد من أعضائها قبل تعيينه شيخاً لها حتى يتوافر فيه هذا الشرط بيد أنه لم يعرف في تاريخه – أنه زاول التصوف العملي أو ركن إلى الزهد والاعتكاف كما يفعل المتصوفون في عصره- وكان أثر هذه المشيخة أن زاد رزق ابن خلدون واتسعت موارده، ثم عين في منصب القضاء للمرة الثانية في النصف الثاني من سنة 801هـ وزار بيت المقدس في رمضان 802هـ وعزل في منتصف المحرم 803هـ ويعين نائبه نور الدين ابن الخلال الذي بذل ما تيسر من المال لبطانة السلطان للحصول على المنصب وفي نفس السنة خرج ابن خلدون مع الناصر فرج سلطان مصر لصد الغزو المغولي عن دمشق التي كانت تابعة لسلطان مماليك مصر وأثناء المعركة علم السلطان أن مؤامرة تدبر في مصر لخلعه وتولية آخر فارتد مسرعاً إلى القاهرة. ويصف ابن خلدون ما حدث في المعسكر بعد ذلك فيقول:«وجاءني القضاة والفقهاء واجتمعت بمدرسة العادلية واتفق رأيهم على طلب الأمان من الأمير (تيمور لنك) على بيوتهم وحرمهم، وشاوروا في ذلك نائب القلعة، فأبى عليهم ذلك وأنكره، فلم يوافقوه وخرج القاضي برهان الدين بن مفلح الحنبكي ومعه شيخ القراء.. فأجابهم إلى التأمين.

وردهم باستدعاء الوجوه والقضاة، فخرجوا إليه متدلين من السور بما صحبهم من التقدمة، فأحسن لقاءهم، وكتب لهم الرقاع بالأمان، وردهم على أحسن الآمال. واتفقوا على فتح المدينة من الغد… وأخبرني القاضي برهان الدين أنه سأل عني، وهل سافرت مع عساكر مصر أم أقمت بالمدينة فأخبره بمقامي بالمدرسة حيث كنت، وبتنا تلك الليلة على أهبة الخروج إليه، فحدث بين بعض الناس تشاجر في المسجد الجامع، وأنكر البعض ما وقع من الاستنامة من القول (أي الاطمئنان إلى ما وعد به تيمور لنك وما أخذه على نفسه من الأمان). وبلغني الخبر في جوف الليل، فخشيت البادرة على نفسي، وبكرت سحراً إلى جماعة القضاة عند الباب، وطلبت الخروج أو التدلي من السور لما حدث عندي من توهمات ذلك الخبر، فأبوا علي ذلك أولاً، ثم أضحوا لي ودلوني من السور، فوجدت بطانته (تيمور لنك) عند الباب ونائبه الذي عينه للولاية على دمشق، وقد التقى ابن خلدون بتيمور لنك وقدم إليه هدية وأحسن الأخير استقباله واستضافه وكلفه بأن يكتب عن بلاد المغرب حتى كأنه يراها ونفذ له أمره، وأن أخبر ابن خلدون سلطان المغرب بعد ذلك بوصف لتيمور لنك فقال:«وهذا الملك «تمر» من زعماء الملوك وفراعنتهم، والناس منسوبة إلى العلم وآخرون إلى اعتقاد الرفض، لما يرون من تفضيله لأهل البيت وآخرون إلى انتحال السحر. وليس من ذلك كله في شيء، إنما هو شديد الفطنة والذكاء، كثير البحث واللجاج، بما يعلم وبما لا يعلم. عمره بين الستين والسبعين، وركبته اليمنى عاطلة من سهم أصابه في الغارة أيام صباه، على ما أخبرني، فيجرها في قريب المشي، ويتناوله الرجال على الأيدي عند طول المسافة.». فإن كانت الأثرة هي التي دفعته إلى لقاء لتيمور لنك فإنه قد استطاع أن يكون عيناً لوطنه فقدم ثمرة اللقاء الشخصي والعلامة التي تؤدى القضاء على تيمور لنك عند اللقاء به.

واسترد ابن خلدون منصب قاضي قضاة المالكية بعد عودته من لقائه بتيمور لنك في شعبان سنة 803هـ.

وعزل منه في رجب 804هـ.ثم أعيد إليه في ذي الحجة سنة 804هـ إلى ربيع الأول من 806هـ وعزل وأعيد في شعبان 807 إلى أواخر ذي القعدة من تلك السنة أي مكث نحو ثلاثة أشهر، وامتدت المرة الأخيرة من شعبان 808هـ إلى يوم وفاته في السادس والعشرين من رمضان السنة نفسها أي نحو شهر ونصف، ودفن قرب باب النصر، ولم يكشف عن مدفنه بعد، ولا ندري إن كان الزمن قد أبقى على شيء من معالمه.

الإصلاح القضائي لابن خلدون في مصر:
تولى ابن خلدون منصب قاضي قضاة المالكية خمس مرات في الفترة ما بين 786هـ و808هـ تاريخ وفاته على نحو ما أشرنا، ولقد أعطى المنصب حقه من الأمانة والرعاية فأظهر له حزماً وعزماً ومجابهة لكل ذي جاه في وسط اجتماعي ألف غير ذلك وقد اتسم ابن خلدون في منصبه بأمور أربعة جعلته في الذروة بين القضاة، وجعلت الناس لا يطيقونه في عصره.

أولها:
تطبيق مبدأ المساواة بين الخصوم، فسوى بين الصغير والكبير، والأمير والسوقة، وقد وصف حاله فقال:«وقمت بما رفع إليّ من ذلك المقام المحمود، ووفيت جهدي بما آمنني عليه من أحكام الله تعالى: لا تأخذني في الحق لائمة، ولا يزغني عنه جاه ولا سطوة، قويا- في ذلك بين الخصمين، آخذاً بحق الضعيف من الحكمين، معرضاً عن الشفاعات والوسائل من الجانبين «وتبدو قيمة ذلك أن عصر ابن خلدون لم يكن عصر المساواة المطلقة في الخصومة في مجلس القضاء، وقد يؤخذ قول ابن خلدون بعين الشك ولكن إذا وضع في مقابلة أقوال العلماء المعاصرين له يتبين لنا أن قولته عين الحق، فيقول ابن حجر العسقلاني عن ابن خلدون القاضي:«لم يشتهر عنه في منصبه إلا بالصيانة له» ويقول ابن تغرى بردى في المنهل الصافي:«باشر القضاء بحرمة وافرة وعظمة زائدة وحمدت سيرته، ودفع رسائل أكابر الدولة وشفاعات الأعيان فأخذوا في التكلم في أمره ولا زالوا بالسلطان حتى عزله».

ثانيها:
أن ابن خلدون التجأ إلى وسائل الإثبات فأنارها بما يحيطها من الشبهات والظلمات وأبعد عنها الذين يفسدون الأحكام ممن اتخذوا الإثبات سبيلاً للعيش، وتزكية الشهود طريقاً، وكانت الشهادة أي البينة هي وسيلة الإثبات الأولى لذلك ففسادها مؤدي حتماً إلى فساد القضاء فطهرها من التزوير والكذب يقول لنا ابن خلدون مبيناً جهده «جانحاً إلى التثبيت في سماع البيانات، والنظر في عدالة المنتصبين لتحمل الشهادات، فقد كان البر منهم مختلطاً بالفاجر، والطيب متلبساً بالخبيث، والحكام ممسكون عن انتقادهم متجاوزون مما يظهرون عليه من هيئاتهم، لما ينوهون من الاعتصام بأهل الشوكة، فإن غالبهم مختلطون بالأمراء معلمون للقرآن، وأئمة في الصلاة، يلبسون عليهم بالعدالة فيظنون لهم الخير، ويقسمون لهم الحظ من الحياة في تزكيتهم عند القضاة، والتوسل لهم فأعضل داؤهم، وفشلت المفاسد بالتزوير والتدليس بين الناس منهم، ووقفت على بعضها فعاقبت بموجب العقاب ومؤلم النكال، وتأدى إلى العلم بالجرح في طائفة منهم، فمنعتهم من تحمل الشهادة، وكان منهم كتاب لدواوين القضاة، والتوقيع في مجالسهم، وقد دربوا على إملاء الدعاوي وتسجيل الحكومات، واستخدموا للأمراء فيما يعرض لهم من العقود بأحكام كتابتها، وتوثيق شروطها فصار لهم بذلك شفوف (فضل) على أهل طبقتهم، وتمويه على القضاة بجاههم، يدعون به مما يتوقعونه من عتبهم، لتعرضهم لذلك بفعلاتهم وقد يسلط بعض منهم كلمة على العقود المحكمة، فيوجد السبيل إلى حلها بوجه فقهي أو كتابي، ويبادرون إلى ذلك متى دعا إليه داعي جاه أو منحة، وخصوصاً في الأوقاف التي جاوزت حدود النهاية في هذا العصر، وبكثرة عوالمه، فأصبحت خافية الشهرة، مجهولة الأعيان، عرضة للبطلان باختلاف المذاهب المنصوبة للحكام بالبلد، فمن اختار فيها بيعاً أو تمليكاً شارطوه وأجابوه، مفتاتين فيه على الحكام الذين ضربوا دونه سدا للخطر والمنع حساية من التلاعب» أوردنا هذا الكلام مع طوله لأنه يصور لنا تلك العزمة التي اعتزمها ذلك القاضي العظيم، وتصور لنا العقبات التي تقف في سبيله وتصور حال العصر، وتحكم المتصلين بالحكام في مصاير الأحكام.

ثالثها:
أعمال وتنفيذ الأحكام، لأنه كان من بين المفتين من يضعفون شأن الأحكام ولاضطراب الأمر بين قضاة أربعة هم المالكي والشافعي والحنفي والحنبلي، بفتح ثغرة لإضعاف قوة الأحكام، فجاء إلى المفتين وكبح جماح الذين يبعثون بالأحكام منهم، يصف ابن خلدون ذلك فيقول:«ثم التفت إلى الفتيا بالمذهب، وكان الحكام منهم على جانب من الخبرة لكثرة معارضتهم وتلقينهم الخصوم، وفتياهم بعد نفوذ الحكم، وإذا فيهم أصاغر، يتشبثون بأذيال الطلب والعدالة لا يكادون إذا بهم طفروا إلى مراتب الفتيا والتدريس، فاقتعروها، وتناولوها بالجزاف، فاحتازوها من غير مثرب، ولا منتقد للأهلية.. وقلم الفتيا في ذلك العصر طلق، وعنانها مرسل يتجاذب كل الخصوم منه رسنا.. فيعطيه المفتى من ذلك ملء رضاه.. متتبعاً إياه في شعاب الخلاف، فتتعارض الفتاوى وتتناقض ويعظم الشغب إن وقعت بعد نفوذ الأحكام، والخلاف في المذاهب كثير والإنصاف متعذر وأهلية المفتي، أو شهرة الفتيا ليس تمييزها للحامي، فلا يكاد هذا المدد ينحصر ولا الشغب ينقطع هكذا، قد طهر ابن خلدون الإفتاء من هذا الصنف من المفتين، وبذلك ضمن للحكم العادل طريقه إلى النفاذ من غير تشغيب عليه.

رابعها:
سن ابن خلدون من أبواب التعزير باباً سلكه لم يكن بيد الجلاد، وهو إشارة السخرية على مرتكب الذنب إذا كان من ذوي السلطان، فكان يعزر بالصفع على القفا إذا كان المتهم من ذوي الجاه أو المتصلين بذوي الجاه، فكان يديم الصفع حتى يدمى القفا من كثرة ما ناله من مس عنيف.

آثاره وأثره:
لقد كتب لسان الدين بن الخطيب مؤلفات صديقه بن خلدون فقال: رسالة في المنطق، وأخرى في الحساب تلخيص لبعض ما كتبه ابن رشد، شرح لقصيدة البردى، تلخيص كتاب الفخر الرازي، شرح لرجز في أصول الفقه. ولم يرد كتاب العبر ومقدمته لأن لسان الدين الخطيب قتل قبل تأليف ابن خلدون لكتاب العبر. ومن الغريب أن جميع هذه المؤلفات التي ذكرها لسان الدين ابن الخطيب والتي لا نشك في صحتها ليست معلومة الآن، والأغرب من ذلك أن ابن خلدون نفسه لم يذكرها في ترجمة حياته، ويبدو لنا أنها كانت تافهة في نظره لا تتضمن خلقاً وابتكاراً، وإنما هي تلخيص وتدريس لكتب لبعض من سبقوه فقد وصلنا منها «اللباب» وهو تلخيص لبعض مؤلفات ابن عربي، وقد نشره الأب لوسيانو ريبو، بدار الطباعة المغربية 1952، و«كتب ورسائل» خاطب بها معاصريه أمثال ابن الخطيب وعبد الله بن زمرك وقد نشرت في كتاب «التعريف بابن خلدون ورحلته غرباً وشرقاً» والتي حققها وعلق عليها الأستاذ محمد تاويت الطنجي(التونسي) وأظهرته لجنة التأليف والنشر 1953م. ولم تصلنا رسالته عن شمال أفريقية التي وضعها خصيصاً لتيمورلنك فلم يعثر عليها في العربية ولا في ما يمكن أن تكون قد ترجمت إليه من لغات أخرى. أما كتاب «شقاء السائل في تهذيب المسائل» الذي نشره الطنجى، استانبول 1958، والأب أغناطيوس اليسوعي لبنان 1959 فهو محل شك في نسبته إلى ابن خلدون صاحب المقدمة ونرجح ما يذهب إليه الدكتور علي عبد الواحد وافي من نسبته إلى عم والد مؤلف المقدمة، لاتفاق اسمه وكتبه (وهي عبد الرحمن أبو زيد) مع اسم مؤلف المقدمة وللخلاف الكبير بين هذا الكتاب ومقدمة ابن خلدون في الأسلوب والأفكار وطريقة العلاج للمسائل. ويعد أهم كتب ابن خلدون «كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر» وأهم جزء منه هو المقدمة التي تضمنت فضل علم التاريخ وتحقيق مذاهبه، والإلماع بمقاط المؤرخين.

وتعرضت أيضاً للعمران، وذكر ما يعرض فيه من العوارض الذاتية من الملك والسلطان والكسب والمعاش والصنائع والعلوم ما لذلك من العلل والأسباب، وقد قام بتحقيق المقدمة تحقيقاً ممتازاً الدكتور علي عبد الواحد وافي في أجزاء ثلاثة.

والجديد في دراسة ابن خلدون التاريخية هو المنهج، ولعله أول من قال أن التاريخ علم له موضوع ومنهج خاص ينتهي به إلى طائفة من القوانين، وهو علم شبيه بالعلوم العقلية ويخضع لمبدأين هامين: هما مبدأ السببية ومبدأ التطور.

وموضوعه الأحداث البشرية ومحاولة تفسيرها تفسيراً علمياً يرد كل حدث إلى أسبابه وعوامله، ويقدر ما للتقدم أو التراجع وهما وجها التطور من شأن في المجتمعات البشرية، وأن أساس المنهج التاريخي لابن خلدون النقد والملاحظة.

ويطيب لنا أن نختم مقالتنا عن ابن خلدون ببعض الأقوال فيه من معاصرين له، ومعاصرين لنا. يقول لسان الدين بن الخطيب فيه «هو رجل فاضل، حسن الخلق، جم الفضائل، باهر الخصال، رفيع القدر، طاهر الحياء، أصيل المجد، وقور المجلس، خاصى الزى، عالي الهمة عزوف عن الضيم، صعب المقادة، قوي الجأش، طامح لفتن الرئاسة خاطب للحظ، مقدم في فنون عقلية ونقلية، متعدد المزايا، سديد البحث كثير الحفظ، صحيح التصور بارع الخط، مغري بالتجلة، جواد، حسن العشرة: مبذول المشاركة، عاكف عللا خلال الأصالة مفخر من مفاخر التخوم المغربية.»

• ويصف لنا تقي الدين المقريزي مقدمة ابن خلدون فيقول:«مقدمته لم يعمل مثلها، وأنه لعزيز أن ينال مجتهد منالها، إذ هي زبدة المعارف والعلوم، ونتيجة العقول السليمة والمفهوم، توقف على كنه الأشياء وتعرف حقيقة الحوادث والأنباء، وتعبر عن حال الوجود، بلفظ أبهى من الدر النظيم وألطف من الماء إذا مر به النسيم».

• ويقول لنا أحمد أمين «ابن خلدون، ومثله قليل العلماء، قريحة متوقدة، وله قدرة على الحكم على الأشياء، وله ابتكار نادر، أن أخذ عن علم الأقدمين، فليغذي ذهنه ويهضمه، وليخرجه شيئاً جديداً يمتاز عن علم من سبقه، لأنه فيه شخصيته وابتكاره وآراءه، وإذا وجد حلقة مفقودة في سلسلة تفكيره ولم يجد لها أصلاً فيما كتبه سلفه.استطاع أن يخلقها خلقاً وينشئها انشاءا فهو جديد فيما أخذه عمن قبله، وهو جديد فيما اخترعه».

• ويقول الدكتور علي عبد الواحد وافي في كتابه عن ابن خلدون:«يظهر أن ابن خلدون في بحوث مقدمته كان سابقاً لتفكير عصره بعدة مراحل، ولذلك لم يستطع معاصروه ولا من جاءوا من بعده في مدى القرون الأربعة التالية أن يتابعوه في تفكيره، فضلا عن أن يحاولوا تكملة بحوثه وتنقيحها. بل أن المقدمة نفسها قد ظلت طوال هذه الحقبة مجهولة لدى كثير من الباحثين في الشرق والغرب».

• ويقول لنا محمد بن عبد الله عنان في كتابه (ابن خلدون، حياته وتراثه الفكري 1953): إن ابن خلدون على قدمه من حيث الزمن، يجب أن يكون أستاذاً لجميع الشباب الذي ينطق بالعربية، ويجب أن يقرأ الشباب مقدمة ابن خلدون، وأن يستعيدها مراراً و تكراراً، لا ليعجب فقط بما حوت من روائع التفكير والبحث، ولكن أيضاً ليستبقى منها أساليب البيان والتعبير عن كثير من الآراء والخواطر الاجتماعية التي تجول بذهنه وكثيراً ما يتعثر في التعبير عنها، ذلك أن مقدمة ابن خلدون إذا كانت ثروة لا تقدر في تراث التفكير العربي، فهي ثروة لا تقدر في تراث البيان العربي.

شبكة الألوكة

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: