من مفهوم "الجندر" إلى مصطلح "الوعاء"… سنبقى نردّد "نساء تونس رجال ونصف"..عائدة بنكريم

الدكتورة أمال قرامي من مفهوم “الجندر” إلى مصطلح “الوعاء”… سنبقى نردّد “نساء تونس رجال ونصف”.

 

درسنا في علم الإجتماع، انّ البحث الأكاديمي يخضع بالضرورة إلى خطوات منهجية تبدأ بطرح إشكالية للبحث، ثمّ وضع فرضيّات أو إجابات محتملة، وأخيرا الوصول إلى المرحلة الأهمّ وهي اختبار صحّة الفرضيّات بتقديم التفسيرات والتعليلات، والإنتهاء إلى نتائج وربّما (ليس من دور الباحث) اقتراح معالجات أو تقديم حلول. وحتى تكون الخلاصات أمينة ودقيقة فمن واجب الأكاديمي استعمال مفاهيم محدّدة، مع ضرورة التمييز بين المفاهيم المجرّدة والمفاهيم الإجرائية هذا من جهة منهجية البحث. أمّا من جهة المدخل النظري، يخضع الباحث أو الأكاديمي إلى أنساق فكرية تمثّل الإطار المرجعي النظري لطريقة تعامله مع الواقع. لا يهمّ أن يلتزم الباحث مدخلا كانطيّا (تركيبي- متعدّد النماذج) او هيجليا (تركيبي – صراعي) synthétique-conflictuel. وقد يستعمل المدخل البنيوي أو الوظيفي أو غيره المهمّ أن يلتزم الباحث مرجعية فلسفية ويتبنّى نسقها من أجل الوصول إلى فهم الظاهرة أو تفسيرها.
أردت من وراء هذا المقدّمة أن أتحدّث على ظاهرة “الإستيهام” التي أصابت الشارع التونسي في مرحلة ما بعد الثورة، وخاصة المتعلّقة بقضايا هامشية مهملة وغير أساسية كـــ “جهاد النكاح” و”الزواج العرفي”. لن أتحدّث في هذا المقام على ما يسمّى “بجهاد النكاح” لأنّ المعطيات الواقعية والبراهين المادية غير متوفّرة بما فيه الكفاية للبحث أو حتى للفهم، وهي لم تتّخذ بعد خصائص الظاهرة الإجتماعية، فالظاهرة الإجتماعية حسب عالم اٌجتماع الفرنسي دوركايم هي ضرب من السلوك و التفكير و الشعور الجماعي الذي يتّخذ طابع الإلزام والتلقائية. فالظاهرة الاجتماعية ليست حالات معزولة وشاذة بل هي سلوكات تتكرّر داخل المجتمع وتتّخذ طابع الإلزام دون أن يشعر بها الفرد . سأتحدّث عن الذهول الذي أصابني عند الإطّلاع على هذا الكمّ الهائل من الحبر الأسود الذي سال للكتابة في هذا الموضوع، والحديث عنه خاصة بعد التصريحات، الغير مفهومة السياقات، لوزير الداخلية، لم أستغرب انخراط الإعلاميين (بالداخل والخارج)، ولا تجنّد شباب العوالم الإفتراضية للدحض أو الإثبات، ولا توظيف السياسيين وركوبهم على هذه التصريحات وإصابتهم بفيروس الإسهال الكلامي، فما قاله وزير الداخلية له وقع خطير على نفوس العامة، وأهمية كبرى في صناعة رأي عام حول ظاهرتي “النقاب” و”السلفية” والإسلام السياسي عامة ، بحكم ارتباط الموضوع بقيم المجتمع ومعاييره التي تربّت عليها الأجيال وترعرعت على وقعها الناشئة.
أصابتني الخيبة، والشعور بالإستياء حين انخرط بعض “الأكاديميون” في هذا “الإستيهام” المشحون بالإيديولوجية والدوغمائية، قفزوا على الحدث، وبدون تقصّي لمكوّنات الحقيقة، وبعيدا عن مناهج البحث الأكاديمي وبدون مداخل تعتمد مرجعية فكرية، أوهموا الناس بامتلاكهم مربّعات الحقيقة، استنجدوا بعقلهم الوجدانيّ الغاضب والمنفعل واستخلصوا النتائج وسبل المعالجة: المجتمع أمام ظواهر مرضية تسبّب فيها الوزراء بتهاونهم وقلّة وعيهم !!! عدم تحصين المجتمع من الغزو الوهابي !!وكأنّ الأمر وليد البارحة، أو أنّ الغزو الوهابي لم ينتبهوا لقدومه إلاّ ونحن على مشارف حكومة إنتقالية، أين كان هؤلاء “الأكاديميين” حين كانت فضائيّات “البترودولار” تعلّم العامة أمور دينهم وتغيّر لهم أنماط حياتهم؟ أين كان هؤلاء “الجامعيين” حين كانت منظومة بن علي التعليمية تعمل على تجهيل الشباب وتصحير عقولهم؟ أين اختفت عقلانيّتهم وحداثتهم حين كان الصمت الرهيب يخيّم على مدارج الجامعة وهم يسندون الدكتوراه الشرفية لزوجة الرئيس، ويكتبون سيرتها الذاتية بين جدران الجامعة ؟ كانوا يباركون التحوّل ويناشدون صانع التغيير ويأكلون السحت ويشهدون الزور، واليوم وقد تبيّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود حيث باغتت الثورة الجامعيين والمثقّفين خاصة، فهم لم يتنبئوا بوقوعها، ولم يؤمنوا بلحظاتها المتدفّقة، بعضهم رحل (إلى بلاد البعير والدولار) غير ملتفت إلى الوراء تاركا (دار الخلاء تأكل اللّفت)، وبعضهم الآخر، حسد الشعب على إرادة الحياة والقدرة على إسقاط منظومة فاسدة ومتعفّنة، فشكّكوا في وقوع الثورة وسعوا جاهدين إلى الاستهانة والسخرية برمزية استحقاقات الجماهير وانجازات الثائرين (رئيس جنوبي- رئيس حكومة سجين سياسي حكم عليه بالإعدام مرّتين، وزراء قدموا من مناطق داخلية، امرأة ترتدي الحجاب نائب أوّل لرئيس المجلس التأسيسي، وزيرة المرأة مناضلة حوكمت من أجل الانتماء لمنظمة غير مرخّص فيها وليست من دائرة المثقّفات والجامعيّات والنساء الديمقراطيّات…).
أمال قرامي دكتورة وأستاذة جامعية، صدر لها مقالا بتاريخ الثلاثاء 24 سبتمبر2013، وضعته على صفحتها بالموقع الاجتماعي. ما فاجأني هو عدم التزام الدكتورة بمدخل فلسفي يكون مرجعية لكلامها فهي انطلقت من المرجعية البورقيبية (الزعيم بورقيبة) ومفهومه للجهاد، ثمّ تحوّلت إلى نموذج جهاد المرأة في التاريخ العربي الإسلامي، ثمّ وظّفت بشكل ملفت للنظر، المرجعية الفقهية والدينية، وأخيرا ركّزت على مرجعية حقوقية وقانونية دون ان تنسى أن تذكّرنا باتفاقية “سيداو” وإلزاميّتها للدولة التونسية وعلويّتها على القوانين المحليّة. فالدكتورة أمال قرامي كما عرفناها تتبنّى الحداثة الغربية، وهي متخصّصة في “النوع الإجتماعي” وقدّمت أطروحة دكتورا مهمّة في “الجندرة”، وهي المناضلة من أجل حقّ النوع الاجتماعي في تحديد جنسه، وفي حرية التصرّف في جسده، والداعية إلى المساواة المطلقة بين الذكر والأنثى، فكيف تجعل (دكتورة وجامعية) مدخلها النظري “بورقيبة” وتنطلق من حديث الصحافة، وكلام وزير داخلية لحكومة لا تعترف بشرعيّتها، وتستند إلى مرجعية دينية لا تلتزم بنسقها. لتستنتج أنّنا أمام ظاهرة إجتماعية “فأنّى لنا أن نتهاون فى معالجة الظاهرة”. من جهة أخرى الباحث الأكاديمي ليس بهذه السهولة يفسّر الظاهرة ويقدّم أسباب انتشارها بدون (تكميم- منهج كمّي/ أو فهم ميداني – منهج كيفي)
“ولكن ها نحن اليوم إزاء جهاد من نوع آخر: «جهاد النكاح» وقد تصدّرت التونسيات قائمة المتنافسات على تبوء مرتبة الشرف ”
ثمّ تستخلص النتائج التالية “لم ينهض الوزراء بمسئولياتهم فى ترشيد الخطاب الدينى وتأمين حصوننا من «الغزو الوهابى» وتسريب الأميّة الجديدة عبر التعليم الموازى و«الفكر» الدعوى، لم يحرصوا على حماية العباد والبلاد.”
من العيب على دكتورة في قيمة أمال قرامي أن تسقط في فخّ التوظيف السياسي، وأن تصف من هنّ من نوعها من نساء وطنها بالوعاء “صار الحديث عن المرأة الوعاء التى تهب نفسها أو تبيع جسدها لإشباع غرائز المقاتلين.”
لا أحد يشكّك في أهميّة هذه الأمراض وغيرها (التدخين، المخدّرات، السياحة الجنسية، العلاقات الحرّة، تحرّش الأعراف بالعاملات، نساء بدون سكن،…..) التي تفتك بمجتمعاتنا العربية والإسلامية، ولا أحد يقلّل من شأنها لكن السقوط المدوّي في التعميم والتبسيط والاختزال هذا غير مقبول من طرف العامة فما بالك بالخاصة.
وحين تهون تونس على “مثقّفيها” يتمأسس الكره وتتعرّى الوجوه ويرفع النقاب على “إستيهامات” يضرب في العمق الحِجَاج والإستدلال: الثورة التونسية متميّزة ودور المرأة التونسية في معركة التغيير أكثر تميّزا وسنبقى نردّد “نساء تونس رجال ونصف”.

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: