ناجي جلول

ناجي جلول للجزيرة: نظام بن علي هو من أنتج التطرف الذي نعاني منه

اعتبر وزير التربية ناجي جلول أن سياسة تجفيف المنابع التي مارسها الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي كانت كارثة على المجتمع التونسي، وهي التي أنتجت التطرف.

ونفى جلول في حواره مع الجزيرة نت أي نية لوزارته إلغاء مادة التربية الإسلامية، مشددا في الآن نفسه على ضرورة أن تقدم للتلميذ مادة إسلامية عصرية تراعي التطورات في المجتمع والعالم أيضا.

وأشار جلول إلى أن مشروع الإصلاح التربوي الذي أعدته وزارته وضمنته في الكتاب الأبيض يبقى مهددا أمام غياب الموارد المالية الضرورية لإصلاح الفضاءات المدرسية المهترئة وتوفير أدوات التعليم العصري.

وفيما يلي تفاصيل الحوار..

 بدأتم مشروعا جديدا للإصلاح التربوي، ما هي المرجعيات والمعايير التي اعتمدتموها في هذا المشروع؟
بداية نحن نؤمن بأنه لا يوجد إصلاح تربوي في المطلق، فيجب إصلاح النظام التربوي ما بين فترة وأخرى، ليس لأن المنظومة القديمة فاسدة، وإنما كي تتأقلم المنظومة التربوية في كل مرة مع تطورات العالم ومع سوق الشغل ومتغيرات المجتمع، وذلك كما الفيزياء، ففيزياء نيوتن كانت لزمان ما، وفيزياء آينشتاين كانت لزمان آخر.

كما أننا على قناعة تامة بأن تجربة الإصلاح التربوي في تونس يجب أن تكون تجربة تونسية خالصة وليدة بيئتها، فمثلا لا يمكن استنساخ التجربة الفنلندية أو الكورية لإصلاح النظام التعليمي في تونس ولكن يمكن الاستفادة من هذه التجارب.

نحن على قناعة بأن المدرسة يجب أن تتأقلم مع زمانها ومع المتغيرات من حولها، فمثلا أنا دائما أقول لو اجتاز ابن خلدون مناظرة السنة السادسة ابتدائي اليوم لفشل لأنه غير ملم بالتطورات الرقمية والمعرفية الخاصة بهذا الزمان، وبالتالي أي إصلاح للمنظومة التربوية يجب أن ينبع من هذه القناعة القائمة على التأقلم مع تطورات المحيط.

ثم إن دور مدرسة اليوم لم يعد تعليم الحروف والأرقام، فالطفل يمكن أن يتعلم ذلك في فضاءات جديدة بفضل التطورات التي يشهدها العالم، وإنما دورها الأساسي اليوم هو أن تخلق طفلا سعيدا متوازنا في مجتمعه، لذلك سعينا في نهجنا الإصلاحي إلى تكثيف الخدمات المدرسية مثل النقل والموسيقى والفن.

 منذ الإعلان عن مشروع الإصلاح التربوي انطلقت في تونس ورشات للحوار بشأن مضامين الإصلاح.. إلى أي حد نجحتم في إشراك أغلب التوجهات الفكرية في المجتمع؟
الخطة الإصلاحية للنظام التربوي التي انطلقنا فيها جاءت نتيجة حوار وطني تجسد في أكثر من ثمانية آلاف منبر حواري، بشكل يعكس التعددية الفكرية والثقافية للمجتمع من مختلف التوجهات.

وبهذا النهج التوافقي نجحنا في صياغة الكتاب الأبيض لإصلاح المنظومة التربوية في تونس.

 لاحظ التونسيون اهتراء عدد كبير من الفضاءات المدرسية، فكيف يمكن تطبيق المضامين الواردة في الكتاب الأبيض إذا كان الفضاء المدرسي غير لائق للمدرس والتلميذ معا؟
خطة الإصلاح شملت إلى جانب إصلاح البرامج إعادة تهيئة البنية المتهرئة للفضاءات المدرسية، وقد نجحنا في إصلاح أكثر من أربعة آلاف مدرسة، وذلك بفضل تبرعات المواطنين ورجال الأعمال والحملات المحلية التي قام بها التلاميذ والأولياء لإصلاح المدارس.

فصل في مدرسة ابتدائية تونسية (الجزيرة)

كما يوجد من التونسيين ممن أوصوا بميراثهم لفائدة المدارس، فهناك تدافع شعبي مهم لإصلاح النظام التربوي للبلاد.

مدارسنا في تونس والوطن العربي عموما هي مدارس أجداد، ونحن نهدف اليوم إلى إنشاء مدارس أبناء وأحفاد، مدارس تنظر إلى المستقبل وليس إلى الماضي، وهذه الإصلاحات تحتاج إلى وقت كي يتقبلها الفاعلون مثل النقابات والتلاميذ والأولياء وغيرهم من المهتمين بالشأن التربوي.

 شهدت تونس مراحل متعددة من الإصلاح التربوي رسخ منها مشروعان يوصفان بالمهمين في تاريخ التربوي التونسي، هما إصلاح الوزير محمود المسعدي بعيد الاستقلال في خمسينيات القرن الماضي، ومشروع الوزير محمد الشرفي بين سنتي 1989 و1994، فيم يختلف الإصلاح الراهن مع هذين المشروعين؟
مرحلة وزير التربية الأسبق والكاتب التونسي محمود المسعدي في خمسينيات القرن الماضي كانت مرحلة تأسيس للنظام التعليمي في تونس، وكانت مرحلة الكفاح ضد الأمية ونشر المدارس في الأرياف وقد نجح فعلا في ذلك.

ثم جاءت مرحلة الوزير الأسبق محمد الشرفي الذي حاول إصلاح المنظومة التربوية مع بداية التسعينيات عند وصول بن علي إلى الحكم، غير أن مرحلته غلب عليها الهوس بالحداثة والتصدي للفكر الانغلاقي، كما سجلت مرحلته السعي إلى الترفيع في نسب النجاح دون الاهتمام بجودة التعليم مما سبب لنا اليوم أزمة بطالة بين أصحاب الشهادات العليا ونقص فادح في اليد العاملة المختصة، وقد كانت تلك الإصلاحات على حساب جودة التعليم رغم أهميتها.

اليوم نسعى خلال هذه المرحلة الجديدة إلى تأقلم المدرسة مع المحيط والتطورات الحاصلة وتحسين جودة التعليم ليتوافق مع متطلبات سوق الشغل.

كما نسعى إلى تدعيم الحداثة بحكم أن الحداثة هي اختيار وطني، وذلك من خلال التأكيد على الأنشطة الثقافية والرياضية والموسيقى، لذلك اعتمدنا في الخطة الإصلاحية على تكريس نظام الحصة الصباحية وتوفير الأكل للتلاميذ عند الظهيرة لتخصص الحصة المسائية للأنشطة الثقافية.

 هل اتخذتم إجراءات عملية توفر أدوات تحقيق ذلك حتى لا تبقى مجرد شعارات؟
توجهنا في تحسين جودة التعليم يقوم على إعادة فتح مدارس تكوين المدرسين، وقد نجحنا إلى حد الآن في فتح ست مدارس وإضافة اختصاص جامعي جديد يسمى نظام الإجازة التطبيقية في علوم التربية بهدف تخريج دفعات شبابية مختصة في مجال التدريس وتكوين المربين.

إلى جانب ذلك، أحدثنا إصلاحات هيكلية على مستوى آليات تسيير المدارس من خلال برامج تكوين مديري الفضاءات المدرسية، وبعث خطة الكاتب العام الإداري المكلف بالشؤون الإدارية لتسيير المدرسة.

 هناك شكاوى كبيرة من التونسيين بخصوص الفوارق الكبيرة بين المدارس العمومية والمدارس الخاصة التي باتت توفر فضاءات أحسن ومواد إضافية وكوادر تدريس أكثر حرصا وانضباطا، فهل أصبحنا في دولة ترعى نظاما تعليميا بسرعتين متفاوتتين بما يضرب مبدأ تكافؤ الفرص الذي يقوم عليه الدستور؟

أنا دائما أقول إني وزير التربية التونسي ولست وزير المدرسة العمومية أو وزير المدرسة الخاصة.

نحن في تونس خلال الانتخابات الأخيرة اخترنا انتهاج اقتصاد السوق، فمن حق الولي أن يختار اليوم بين أن يضع ابنه في المدرسة الخاصة أو المدرسة العمومية وهو حق دستوري، ولدينا في تونس اليوم مدارس خاصة ممتازة ونتائجها ممتازة، ولا سيما أن تكلفة التعلم في هذه المدارس الخاصة ليست مرتفعة مقارنة بالمدارس العمومية.

مشكل التربية في تونس اليوم هو مشكل المدارس العمومية، خاصة فيما يتعلق أساسا في عدم التكافؤ في الفرص، ويبرز هذا التفاوت بين مدارس الأرياف ومدارس المدن.

ونحن حرصنا ضمن الخطة الإصلاحية على القضاء على هذا التفاوت في الحق في التعليم، وقد سجلنا تحسنا ملحوظا العام الماضي، فمثلا سجلت ولاية جندوبة (الشمال الغربي لتونس) تقدما بستة مراكز على المستوى الوطني في نسبة النجاح في امتحان البكالوريا، كما سجلنا تقدما لولاية القيروان (الوسط التونسي) والقصرين (الوسط الغربي)، وهذا تحسن ملحوظ للمناطق الداخلية التي تنتشر فيها المدارس الريفية.

حوار بشأن إصلاح نظام التعليم في تونس (الجزيرة)

 إلى أي مدى سيعيقكم ضعف الإمكانيات عن تحقيق هذا المشروع كما ورد في الكتاب الأبيض؟
الإمكانيات المادية الضعيفة المخصصة لوزارة التربية تعد عائقا فعليا أمام تنفيذ المخطط الإصلاحي الذي تم إقراره، وسبق أن أكدت أمام مجلس نواب الشعب أن هذه الميزانية المخصصة للوزارة لا يمكن أن تنفذ هذا البرنامج الإصلاحي، إذ إن 97% من موارد وزارة التربية مخصصة لكتلة الأجور ولنا 3% فقط من الميزانية  لبناء المدارس وتأثيثها ولتأسيس المدرسة الرقمية، وهذا غير كاف بالمرة، لذلك توجهنا نحو مشروع المؤسسة الصديقة للمدرسة وطلبنا الدعم من رجال الأعمال والمنظمات والمواطنين لتهيئة المدارس.

 وهل أثر الوضع التربوي الراهن على تصنيف تونس التربوي في المستويين العربي والدولي؟
بحسب تصنيف البرنامج الدولي لمتابعة مكتسبات التلاميذ “بيزا”، تحتل تونس المركز الـ59 من مجموع 64 دولة يشملها هذا المقياس الدولي في حين أننا كنا الأوائل عالميا.

اليوم معدل التحصيل للطالب التونسي هو أقل بسنوات من المنظومات التربوية الراقية مثل كوريا وفنلندا، لدينا أكثر من 130 ألف تلميذ يقطعون أكثر من ستة كيلومترات للذهاب إلى المدرسة، وهناك أكثر من مئة ألف منقطع عن التعليم سنويا، وتقدر نسبة الأمية بـ18%.

جانب من إضراب لأساتذة التعليم الثانوي أمام مقر اتحاد الشغل بالعاصمة تونس (الجزيرة-أرشيف)

ومع ذلك ورغم كل هذه الصعوبات وانطلاقا من البرنامج الإصلاحي الذي شرعنا في تنفيذه قطعت على نفسي عهدا أن تصبح تونس ضمن الثلاثين الأوائل بحسب تصنيف البرنامج الدولي لمتابعة مكتسبات التلاميذ خلال خمس سنوات، ونقدر أن هذا ممكن لأننا كنا في كوكبة الطليعة سبعينيات القرن الماضي، ولتونس التجربة والخبرة والطموح والتاريخ لأن تعود إلى مصاف الدول الأولى تعليميا، ولكن كل ذلك لا يمكن تنفيذه بالميزانية الحالية.

 من الظواهر الجديدة التي برزت في المدارس والمعاهد التونسية ظاهرة العنف وتعاطي المخدرات وقد باتت تؤرق الأولياء، فهل أخذتم ذلك في الاعتبار في مشروع الإصلاح؟
فعلا، من المشاكل الأساسية نجد العنف المدرسي المنتشر في مدارسنا، وهو انعكاس طبيعي لظاهرة العنف الموجودة في المجتمع، ونفس الشيء بالنسبة إلى المخدرات.

الطالب التونسي يعاني من أزمة روحانيات رغم أن تونس بلد الروحانيات والتصوف وبلد عبد العزيز المهدوي، لذلك نؤكد اليوم على دروس التربية الإسلامية، والطفل في مرحلة متقدمة في حاجة إلى الروحانيات والأخلاق.

 أنتم تقولون إنكم تؤكدون على دروس التربية الإسلامية، وخصومكم يتهمونكم بأنكم جئتم لإكمال مشروع تجفيف المنابع الإسلامية الذي بدأه الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، ويستشهدون في ذلك ببعض النصوص من الكتب التي أعدتم طباعتها؟
يكفي النظر في لجان الإصلاح فستجدها ممثلة لكل التوجهات الفكرية والتيارات السياسية من يساريين وإسلاميين وعلمانيين ودستوريين، والكتاب الأبيض الذي تمت صياغته من أجل إصلاح النظام التربوي لا يحمل أي توجهات أيديولوجية على عكس ما يدعي البعض.

تلامذة تونسيون في أحد الفصول الدراسية (الجزيرة)

خذ مثلا نص فدوى طوقان حول الحجاب لتلاميذ السنة السادسة ابتدائي الذي أثار نقاشا على شبكة التواصل الاجتماعي، فهذا النص يوجد في كتاب معتمد منذ عهد بن علي ولسنا نحن من وضع هذا النص.

التخوفات مشروعة حول برامج النظام التربوية، ولكن من المهم توضيح أن هذه البرامج لا تحمل أي توجهات فكرية وسياسية.

صحيح أني من جذور يسارية وانتميت للحزب الديمقراطي التقدمي الذي تصالح فيه الإسلاميون واليساريون، ومن هذا المنطق أؤكد أن التخوفات من سياسة تجفيف المنابع اليوم غير مشروعة، وشخصيا كنت أكدت أن هذه السياسية التي انتهجت في السابق ضمن برامجنا التعليمية كانت سياسة فاشلة بل أنتجت الإرهاب والتطرف الديني عكس ما كانت ترنو إليه، وهي سياسة تعتبر كارثة على تونس.

 إذا كان الأمر كذلك، بماذا تفسر هذا التخوف من المس بمسائل لها علاقة بالدين الإسلامي؟
التربية الإسلامية ستبقى ضمن المواد المدروسة، وشخصيا أحب هذه المواد التي هي أحد اختصاصاتي، لكن يجب أن تكون لنا الجرأة في أن نعطي التلميذ تكوينا دينيا تقدميا.

هناك تخوف عند الإسلاميين واليساريين من مشروع الإصلاح، وكل يريد أن يصبغه بصبغته، غير أن المجتمع التونسي اختار التعددية، والمدرسة اليوم يجب أن تعكس هذه التعددية وإلا فان برامجنا الإصلاحية ستفشل كما فشلت من قبل عندما اعتمدت إصلاحا تربويا أيديولوجيا، وسينتهي مع ذهاب أصحابه.

وأنا اليوم أريد إصلاحا يبقى بعدي، ولا يمكن أن يبقى بعدي إلا إذا كان محل توافق، ولذلك اخترنا الطريق الأصعب من خلال الحوار الوطني والتشاركية مع كل الهيئات والمنظمات والفاعلين في القطاع التربوي.

المصدر : الجزيرة

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: