نصيحة لله

إن الإسلام ليس مجرّد شعائر يؤديها المسلم ، ثم يغفو ويترك الميدان لأعداء الله . إن الإسلام نهج حياة متكامل ، نهج مترابط شديد الترابط . إنه تكاليف ربّانية نصّت عليها الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة لتنهض كلها على أساس متين ، كما يقوم البناء على أساسه . فأساس بناء الإسلام هي الشعائر ، عليها تقوم التكاليف الربانية المتماسكة ، ليظلّ المسلمون بها أعزاء أقوياء يحملون رسالة ربانيّة تمثل أمانة وعهداً وبيعة وخلافة ، يبلغونها للناس كافة ويتعهدونهم عليها ، لينقذوهم من نار جهنم لو ماتوا على الكفر والضلال .

    إن مهمة الأمة المسلمة الواحدة هي حمل رسالة الله كما أنزلت على محمد r ، وتبليغها إلى الناس كافّة ، وتعهّدهم عليها لتظل كلمة الله هي العليا ، ودينه هو الأعلى ، وشرعه هو السائد . إنها مسؤولية كل مسلم قادر ، ومسؤولية الأمة كلها .

    إننا نعود ونؤكد ما ذكرناه في كتبنا كلها ، من أن الأفكار التي أخذت تنتشر بين المسلمين ، وأخذ كثير من المسلمين يتبعونها منحرفين بها عن دين الله الحق ، إِنما هي فتنة وضلالة ، وباب هلاك وضياع ، سواء في ذلك العلمانية والحداثة والديمقراطية والعولمة وأمثال ذلك .

    إن هذه الأفكار والمبادئ كلها صناعة بشرية ، تقوم على الوهم والظن ، وتبتعد عن الحق الذي قامت عليه السموات والأرض ، فليبدلوا فيها وليغيروا كما يشاؤون .

    أما الإسلام فإنه ليس صناعة بشرية ، ولا هو يقوم على الظن والوهم . إنه الحق كل الحق نزل به الوحي الأمين على خاتم الأنبياء والمرسلين محمد r ، تناوله رسول بعد رسول ، حتى ختموا بالنبي الخاتم محمد r . إنه وحي من عند الله وليس صناعة بشرية . إنه الحق الثابت على مر الأزمان حتى تقوم الساعة ، إنه النور الهادي ليضيء ظلمات الجهالة !

    إن هذه الأفكار التي يسوقها العالم الغربي الديمقراطي العلماني النصراني الصهيوني الحداثي فتنة كبيرة ، لا تحمل إلا الزخرف الكاذب ، ولا تحمل شيئاً من الحق .

كما إننا لا نعترض على منحى أي جماعة إسلامية رفعت شعار الكتاب والسنة . ولا نغمض عيننا عن تاريخ أي جماعة إسلامية وما قدّمته في سبيل الله من بذل وعطاء ودعوة . وحسابنا جميعاً عند الله ، نتوب إليه ونستغفره ونستعينه ونسأله السداد والرشاد في الأمر كله ، والعزيمة والثبات على الحق والمضي على الدرب .

ولكننا نعترض على الفرقة والتمزق الواضِحَيْن بين المسلمين ، خلافاً لما أمر الله ودعا إِليه . لا شك أن الخلاف بين المؤمنين قد يقع ، ولكننا لا نسوّغ كلَّ خلاف . ولقد كتبتُ عن الاختلاف والفرقة والتمزق الواقع بين المسلمين ، بعد أن طُفت في الأرض من المغرب إلى شمال أفريقيا إلى أوروبا ، فرنسا ، انكلترا ، ألمانيا ، والسويد ، وتركيا وباكستان والهند ، وعرفت بعضاً من الجماعات الإسلامية وواقعها في مختلف هذه الأقطار .

وأوجز رؤيتي وما كتبته حول ذلك هو أن الخلاف جائز إذا لم يولّد فُرْقة وتمزّقاً بين المسلمين .

وإذا كان للخلاف فقه فإن للقاء فقهاً أيضاً . ونحن اليوم في وضع سيّئ من الهوان والإذلال والضعف ، مما يغضب الله سبحانه وتعالى ، ومما يخالف حكم الآيات وصريح الأحاديث الشريفة ، فهل يمكن أن نبحث عن فقه ” اللقاء ” ؟!

ولو نظرنا إلى واقع المسلمين اليوم بعامة لوجدنا أن رقعة الخلاف واسعة والتمزق متسع ، وأن أسساً في دين الله غابت عن واقع المسلمين : أين أخوة الإيمان التي أمر الله بها ؟! ، وأخوة الإسلام ؟؟ ، أين الأمة المسلمة الواحدة التي اختارها الله لتكون خير أمة أخرجت للناس ؟! . وقس على ذلك تجد أن كثيراً من قواعد الإسلام اختفت ، وأن قواعد العلمانية والحداثة وأمثالها تمتد وتنتشر ، وأن جبهة أعداء الله يلتقون على حرب الإسلام بالرغم مما بينهم من خلاف على نهب الثروات والظلم في الأرض والعدوان . إنهم يلتقون لقاء جاداً على نشر الفساد في الأرض : من خمر وفاحشة وانحلال وغير ذلك مما نراه ممتدّاً ، وعلى حرب الإسلام من خلال ذلك ، ومن خلال وسائل أخرى !

إننا لا نصارع أي دعوة إسلامية ولا أي جماعة أو حزب ، ولكننا ندعو الجميع إلى وجوب اللقاء في صفٍّ واحد يحمل دعوة الله في الأرض دعوة واحدة . وفي داخل الصف الواحد والأمة الواحدة قد يقع خلاف مباح .

فالله واحد ، والدين واحد ، والأمة المسلمة واحدة ، فيجبُ أن تكون الدعوة الإسلامية في الأرض كلها دعوة واحدة في أهدافها ومناهجها كما كانت أيام محمد r .

وإني أعجب كيف تكون العلوم الدنيوية من طبِّ وهندسة واحدة في الأرض كلها ، هي صناعة بشرية ، وأن دين الله الواحد المنزَّل من عند الله ، الثابت في الكتاب والسنة واللغة العربية ، تفرّق الناس به شيعاً وأحزاباً .

ولذلك نرى أن الدعوة الإسلامية يجب أن تكون دعوة واحدة تقوم بتبليغ رسالة الله إلى الناس كافة كما أُنزِلتْ على رسول الله r تبليغاً منهجيّاً وتعهدهم عليها تعهداً منهجيّاً ، حتى تكون كلمة الله هي العليا في الأرض .

فأساس التبليغ الواجب هو تبليغ كتاب الله وسنة رسوله r كما جاءا باللغة العربية ، وكما بلّغ الرسول r ، وكما بلّغ الصحابة رضي الله عنهم ، والتابعون ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين . والآيات صريحة محكمة في ذلك ، والأحاديث الشريفة جليّة قوية بذلك .

لا بد أن يسمع الناس من الدعاة ديناً واحداً جاء من عند الله . إنها الأمانة التي وضعها الله في عنق المسلمين والأمة المسلمة .

( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ۖ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ۚ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ) [ المائدة :67]

وعن ابن عمرو رضي الله عنه عن الرسول r قال :

 ( بلّغوا عني ولو آية … ) [ أخرجه أحمد والبخاري والترمذي ]

    وآيات وأحاديث كثيرة حول هذا الموضوع .

    إننا لا ننافس أحداً على قيادة ولا زعامة ولا أَيَّة مصالح دنيوية . ولكننا ندعو أنفسنا وندعوكم وندعو الجميع إلى : ” لقاء المؤمنين ” نهجاً ومناهج وأهدافاً ونظرية عامة ، ثم تنطلق لندعو آخرين حتى يلتئم صف المؤمنين صفاً واحداً كالبنيان المرصوص بإذن الله .

    وإذا كنا ندعو إلى : ” لقاء المؤمنين ” ، فإننا لا ندعو إلى لقاء شكلي إداري يجتمع فيه ممثلون من هنا وهناك ، كلاّ ! إننا ندعو إلى لقاء منهجي إيمانيّ يقوم على نهج مدروس وخطة عملية تنبع من أسس الإيمان والتوحيد ، ومن منهاج الله ، ومن مدرسة النبوّة الخاتمة ، ومن وعي الواقع من خلال منهاج الله ، ليكون اللقاء على أساس متين ، لقاء قلوب وعزائم ، وعلى نهجٍ محدد وخطة واضحة.

د.عدنان علي رضا النحوي

 

 

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: