نهاية نظام «الدولة العربية القُطرية» – ج.3 – ( بقلم أحمد منصور)

كانت سنوات التسعينيات من القرن الماضي سنوات الترتيب لتفكيك الدولة العربية القطرية؛ حيث تم توجيه ضربات قاصمة لجيش العراق، كما تم حصار العراق بشكل يسمح بانهياره وتفكيكه وتم استثناء كردستان من الحصار، ولاحظت الولايات المتحدة أن كل ذلك لم يؤد لانهيار النظام؛ فقررت إنهاءه بشكل مباشر عبر حرب مباشرة واحتلال.

وقد لاحظ الغرب خلال سنوات ترتيب التفكيك ودراسته للمنطقة العربية أن العالم العربي من شرقه إلى غربه وفي ظل كل الأنظمة والدول التي قامت منذ الدولة الأولى في المدينة وحتى سقوط الدولة العثمانية كآخر غطاء جامع للدول العربية مع غيرها من الدول الإسلامية في ظل نظام الخلافة الإسلامية، لاحظ أن هذا الكيان الكبير قد حوى تحت ظلاله كثيراً من الملل والنحل والطوائف والأعراق، وأن هؤلاء عاشوا ما يقرب من ألف وخمسمائة عام في ظل النظام الإسلامي كجزء من بنائه لم يطردهم أحد من بلادهم ولم يجبرهم أحد على تغيير دينهم أو يضيق عليهم أحد في عباداتهم، بل إن كثيرًا منهم احتلوا المناصب والمواقع دون أن ينال منهم أحد واعتبروا أنفسهم جزءاً من هذا النسيج، فكان هذا هو المدخل الذي حاول ويحاول الغرب من خلاله تفكيك الدولة القطرية العربية بعدما نجح قبل ما يقرب من مائة عام في تفكيك الكيان الجامع لهؤلاء عبر إنهاء وجود الإمبراطورية العثمانية واتفاقية سايكس بيكو 1916 ومؤتمر سان ريمو 1922، ولم تكن البداية في التلاعب بالطوائف والأعراق والأديان في المنطقة خلال العشرية الأولى من القرن الحادي والعشرين ولكنها بدأت مع بداية نظام الدولة القُطرية العربية؛ فقد اعتمد الغرب على الأقليات والطوائف سواء في تأسيس الجيوش أو الحركات الفكرية الضيقة مثل القومية العربية وغيرها، وكان أول قرار قام به الأميركان بعد احتلالهم العراق وتدمير الجيش وبنية الدولة هو المحاصصة الطائفية، فظهرت النزعات التي لم يكن لها وجود طيلة قرون وكان هذا الأمر قد تم تجربته علي نطاق ضيق في بقعة أخرى تنتشر فيها الملل والنحل هي لبنان من خلال الحرب الأهلية وما بعدها، لكن العراق الذي كان يعتبر جيشه من أقوى الجيوش العربية ودولته من الدول الكبرى التي كانت تعتبرها إسرائيل مهددًا رئيسيًا لها، كان تفكيكها وتدميرها وإشعال نار الطائفية بها أحد الأهداف الأساسية من وراء الاحتلال الأميركي لها عام 2003، في نفس الوقت كان الترتيب لتقسيم السودان يجري على قدم وساق، بينما كانت الخلافات تشتعل بين الدول العربية، حتى جاءت الثورات العربية بداية العام 2011 ومن الواضح أن هذه الثورات المتتالية أربكت النظام الغربي برمته بشكل كبير، وأرسلت الولايات المتحدة والدول الغربية الآلاف من الخبراء والمحللين إلى المنطقة للتعرف على حقيقة ما جرى وكيفية احتوائه، وحينما تأكدت الولايات المتحدة والدول الغربية أن الثورات توقفت عند حد إزالة الحكام وعاد الثوار إلي بيوتهم لاسيما في مصر وتونس بينما بقيت الأنظمة تدير الدول كما هي تم احتواء الموقف بشكل كبير وتم استخراج الدراسات التي أعدت طوال عقود عن كيفية تفكيك الدول العربية إلى دويلات حتى تبقى إسرائيل وتبقى مصالح الغرب المرتبطة بالمنطقة قائمة ولا يسمح بقيام أي نظام عربي مستقل أو يكون بداية لانسلاخ المنطقة عن الهيمنة الغربية، ورغم عدم استعداد الإخوان المسلمين أو إعدادهم للحكم تم «توريطهم» في حكم مصر وأقول «توريط» بفم ملآن من أجل التخلص منهم أو على الأقل إجهاض قوتهم وإعادتهم إلى مربع الصفر مربع السجون والمعتقلات والحظر والمصادرات وغيرها، وسقط الإخوان في الفخ وعادت أميركا إلى سياسة الانقلابات العسكرية التي جاءت بالسيسي رئيسًا لمصر.

المصدر: الوطن القطرية

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: