نورالدين العويديدي :الإضراب العام.. حتى لا يصنع الصحفيون أعداء حريتهم!

الإضراب العام.. حتى لا يصنع الصحفيون أعداء حريتهم!
أضرب  الصحفيون التونسيون. وكان إضرابهم إضرابا عاما، وهو الاسم الرسمي الذي أطلقته النقابة على هذا الإضراب. لكنه في الواقع، ومن أجل دقة أكثر، لم يكن إضرابا عاما بل إضرابا خاصا، إن جازت التسمية. فهو إضراب لم يكد يتوقف فيه الصحفيون عن العمل إلا في ما يخص إنتاج نشرات إخبارية، وعدم تغطية جلسة المجلس الوطني التأسيسي، الذي عاد للعمل بعد أسابيع من التعليق، وتخصيص أغلب البرامج الحوارية للحديث عن الإضراب.- الإضراب حق لا جدال فيه في الأنظمة الديمقراطية، وفي البلاد التي تعرف مرحلة انتقال ديمقراطي، وهو حال بلادنا. ولا ضير في الإضراب حين يكون مبررا، وحين يكون آخر العلاج. لكن ما نلاحظه أن الإضراب لم يعد في بلادنا آخر الحلول، فأول ما يتم توقيف صحفي أو الإعلان عن محاكمة أحد الصحفيين إلا وكان الإضراب هو أول الخيارات، ما يجعل قرار الإضراب قرارا مسيسا. ومن نتائج ذلك فقدان الإضراب العام وقعه، وتحويله إلى أداة نضالية فاقدة للتأثير على القرار السياسي.

– وفي سياق التسييس والإسراف في استخدام هذه الأداة النضالية، من المثير للانتباه أيضا أن بلادنا شهدت في أقل من عام إضرابين عامين اثنين للصحفيين. وهو أمر غريب، خاصة إذا تذكرنا أن بلادنا لم تشهد أي إضراب عام أو خاص، خلال 23 عاما من الحكم القهري الاستبدادي، الذي كمم الأفواه، وكسر الأقلام، وحول الأغلبية الساحقة من الصحفيين إما إلى خدم للاستبداد بأقلامهم، مزينين للفساد، مسوقين للقهر والقمع في الداخل والخارج، أو ساكتين عن الحق، أشبه بالشياطين الخرس، باستثناء قلة قليلة مناضلة، ما يجعل نقابة الصحفيين والوجوه الصحفية البارزة الآن وفي عهد المخلوع في حاجة لتبرير الإسراف في اللجوء إلى الإضراب الآن وعدم الإضراب في عهد الاستبداد.

– الأغرب أن الإضراب العام يتم اللجوء إليه في وقت تعيش فيه البلاد تخمة حقيقية في حرية النشر والتعبير، إلى الحد الذي لا ينقد فيه المسؤولون فقط، بل إلى الحد الذي يشتم فيه رئيس الدولة ورئيس الحكومة وكل الوزراء والمسؤولين والكثير من قادة الأحزاب ورجال الأعمال والمواطنين العاديين، كل يوم في الصحف والإذاعات وبلاتوات القنوات التلفزية، بما جعل حرية التعبير مبررا غير معقول لانتهاك العديد من الحقوق والحرمات الشخصية والسياسية للكثير من الأفراد والرموز والقوى، وبما ينفي واقعا، لا على صعيد الشعارات فقط، تهمة التضييق على حرية الصحافة والإعلام. فتونس تعيش فورة هائلة في الحرية، يجب الخوف عليها والخوف منها، لأن الإسراف في كل شيء عواقبه وخيمة.

– على الصحفيين ونقابتهم أن يلاحظوا أن قطاعا في المجتمع بات يجاهر بأنه يتمنى أن يرى الإعلام التونسي في إضراب مفتوح عن العمل، لا مجرد إضراب بيوم وكفى.. على الصحفيين المحترمين وعلى نقابتهم أن تضع ذلك في اعتبارها، فالصحفي يجب أن يكون حساسا لمواقف الرأي العام من سلوكه ومواقفه. ففرح قطاع من المجتمع مهما كان حجمه كبيرا أو صغيرا بالإضراب وتمنيه أن يكون دائما لا ليوم فقط ليس من فراغ. فالإعلام الذي خدم المخلوع ونظام الاستبداد عامة عقودا طويلة لم يقدم نقدا ذاتيا على خدمته للاستبداد، ولم يشعر الأغلبية الساحقة من التونسيين أنه إعلامهم، ولذلك على الإعلاميين الجادين أن يكونوا حساسيين لمواقف الرأي العام أو قطاع منه على الأقل منهم.

يردد بعض الصحفيين فكرتين اثنتين أرى أنهما تحتاجان للحوار حولهما:

– الأولى: أن المخلوع على استبداده وظلمه وفساده لم يحاكم في يوم واحد ثلاثة صحفيين مرة واحدة. والرد على هذا سهل ميسر. فالسبب أن الصحفيين كانوا في الأغلبية الساحقة منهم خداما لنظامه. ومن لم يكن منهم كذلك لم يكن يملك من الشجاعة ما يكفي لنقد نظامه، وبالتالي لم يكن المخلوع في حاجة لاعتقال أو محاكمة من يخدمه أو من يسكت على إجرامه.. قلة قليلة من الصحفيين الشجعان، ليسوا هم الأعلى صوتا اليوم، نعرف جميعا ما فعل بهم المخلوع، الذي لم يكن يلجأ للمحاكمات والقانون حتى ولو كان جائرا بل إلى عمل العصابات في التهديد والترويع وافتعال الأكاذيب والفضائح الزائفة، التي زخرت بها صحف صفراء، نراها اليوم ترفع عاليا لواء الدفاع عن الحرية، وكانت بالأمس أولى أعدائها.

– الثانية: أن الإعلاميين لم يعرفوا لذة حرية الإعلام من قبل، وأنهم لم يعرفوا الحرية إلا بعد الثورة، وهم الآن مستميتون دفاعا عنها في وجه أي تهديد لها. ونرد بأننا حين نرى الأكثر مدحا للنظام السابق، دون أن يقدموا نقدا ذاتيا لمواقفهم السابقة، هم الأكثر رفعا للصوت الآن دفاعا عن الحرية نخشى أن لا يكون الأمر متعلقا بالدفاع عن الحرية، فالمدافع عن الحرية يجب أن يعتذر على الأقل على المساهمة في قمعها من قبل وتزيين ظلم أعدائها لها. كما أننا نخشى من أن يؤدي الإسراف في استخدام الحرية وتحويلها إلى فرصة لتشويه الأفراد والجماعات والاعتداء على الحقوق والحريات والأعراض إلى توليد رأي عام معاد للإسراف في الحرية، وهو الجو الأنسب لقوى الظلام، التي تبحث عن مبررات لتشويه الحرية من خلال أفعال المسرفين في استخدامها، وذلك كمقدمة لنسفها، مستندين لرأي عام قلق من الإسراف في الحرية، المعادل للفوضى والفلتان.

في الختام من حق صحفيينا ونقابتهم أن يستميتوا في الدفاع عن حرية الصحافة، لكن عليهم أن يدركوا أن إنكار الحرية القائمة الآن، ومحاولة تصوير البلاد وكأنها أسوء مما كانت عليه في عهد المخلوع من شأنه أن يضر بالحرية، لأن للناس عيون وعقول ترى أن البلاد تعيش تخمة حرية وفوضى حرية، ولا ترى ما يسمى قمعا، بل ترى اضطهادا معنويا، يساهم فيه الكثير من الصحفيين، لأفراد وجماعات تطالب بضبط الحرية بالقانون.

فالصحفي الذي يشتم أو يتهم بالباطل شخصا أو جهة ويشكوه ذلك الشخص أو تلك الجهة للقضاء، لا يعتدي الشاكي على الحرية، بل يفعّل القانون لاسترداد حق وكف عدوان. وإن لم نفعل القانون فستستحيل الحرية إلى حرية غاب، وسيدفع ذلك المجتمع والرأي العام إلى النظر للحرية باعتبارها تعبيرا عن الفوضى والفلتان ومنطق الغاب.

 

 

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: