64269_409729382442687_1274561415_n

هدي الحبيب

لقد أرسل الله -عز وجل- نبيه ورسوله محمدًا -صلى الله عليه وسلم- لهداية الناس، وإخراجهم من الظلمات إلى النور، ومن عبودية الخلق إلى عبودية الخالق -جل وعلا-، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة.

ولم يكن الله -سبحانه تعالى- بحاجة إلى عبادة العباد؛ ولن تضره معصية العاصين؛ لأنه تعالى هو الغني والخالق والرازق، والناس فقراء إليه محتاجون إليه في كل لحظة؛ لكونهم مخلوقون ضعفاء، لم يكونوا يومًا شيئًا مذكورًا.

وإرسال الله -عز وجل- للرسل من كمال رحمته وتمام فضله؛ فهو سبحانه من صفاته “الرحمة”؛ ومن أسمائه “الرحمن والرحيم”، فهو -جل وعلا- رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما.

ولما كان أساس الشر وهو الشيطان الرجيم -وهو عدو الإنسان الأول- قد أقسم على ربه أنه سيضل الإنسان، وسيعمل بكل ما أوتي من قوة لإضلال بني آدم وصرْفهم عن الصراط المستقيم؛ كان الإنسان منذ ذلك الحين في خطر عظيم من هذا العدو اللدود، وفي صراع دائم.

ولما كان من طبيعة الإنسان الضعف والجهل؛ كان من رحمة الله تعالى أن أرسل رسله من بني آدم أنفسهم ليعلموهم ما فيه سعادتهم ويبصروهم بطرق السعادة وكيفية عبادة الله تعالى؛ ويبينوا لهم طرق الشيطان وكشف أباطيله ليتجنبوا سلوك طرق الضلالة والغواية.

وكان من جملة أولئك الرسل الأخيار الذين أرسلهم الله تعالى لهداية الخلق محمد -صلى الله عليه وسلم-، حيث بعثه الله تعالى للإنس والجن جميعًا، هاديًا ومبشرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا.

فأمره الله تعالى بتبليغ شرعه، وهداية خلقه، وأنزل عليه كتابه “القرآن الكريم”؛ ليكون مصدر نور ومنبع هداية.

وقد قام محمد -صلى الله عليه وسلم- بمهمة البلاغ خير قيام؛ فبلغ رسالة ربه، ودعا إلى الله تعالى، واهتم بذلك أيما اهتمام حتى ليكاد أن يوقع نفسه في المهالك محبة لتبليغ ما أمره به ربه؛ وخوفًا على بني آدم من أن يكونوا من أعوان الشيطان وحزبه.

وقد اطلع الله -عز وجل- على حرص نبيه الكريم -صلى الله عليه وسلم- لهداية الناس، وما يبذله مما هو فوق طاقته، حتى ليكاد يهلك نفسه بسبب عدم استجابة من دعاهم إلى دينه، فما كان منه -سبحانه وتعالى- إلا أن أمر نبيه بأن يخفف عن نفسه ذلك الحزن من عدم استجابة بعض الناس له، فقال تعالى في كتابه الكريم: ﴿ فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا ﴾ [الكهف: 6]، وقال تعالى أيضًا: ﴿ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ﴾ [الشعراء: 3]، وقال تعالى: ﴿ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ﴾ [فاطر: 8].
ومعنى هذه الآيات أن الله تعالى يأمر نبيه -صلى الله عليه وسلم- بأن لا يهلك نفسه لعدم استجابة من لم يكتب له الهداية، ولا يأسف عليهم، بل ليبلغهم رسالة الله، فمن اهتدى فلنفسه، ومن ضل فإنما يضل عليها.

روى الإمام الطبراني في معجمه عن علي بن أَبي طلحة، عن ابن عباس “فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ” [هود آية 105]، ونحو هذا من القرآن، قال: (إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَحْرِصُ أَنْ يُؤْمِنَ جَمِيعُ النَّاسِ، وَيُتَابِعُوهُ عَلَى الْهُدَى، فَأَخْبَرَهُ اللَّهُ أَنَّهُ لا يُؤْمِنُ إِلا مَنْ سَبَقَ لَهُ مِنَ السَّعَادَةِ فِي الذِّكْرِ الأَوَّلِ، وَلا يَضِلُّ إِلا مَنْ سَبَقَ لَهُ مِنَ الشَّقَاءِ فِي الذِّكْرِ الأَوَّلِ، ثُمَّ قَالَ -عَزَّ وَجَلَّ- لِنَبِيِّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ﴿ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَنْ لا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ﴾ [الكهف آية 6]، يَقُولُ: ﴿ إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ ﴾ [الشعراء آية 3].
وقد ذكر علماء السير الذين اهتموا بتدوين دقائق تفاصيل حياته -صلى الله عليه وسلم- صورًا مشرقة تبين ما كان عليه -صلى الله عليه وسلم- من الحرص على هداية الناس وإدخالهم في دين الله -عز وجل-، ليسعدوا بهذا الدين الذي لا يقبل الله دينًا سواه.

روى البخاري في صحيحه عن سعيد بن المسيب عن أبيه قال: ) لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ، جَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، فَقَالَ: أَيْ عَمِّ، قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟ فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ وَيُعِيدَانِهِ بِتِلْكَ الْمَقَالَةِ، حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ: عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَأَبَى أَنْ يَقُولَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: وَاللَّهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ﴾، وَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ﴾ (.

ففي هذا النص بيان حرص النبي -صلى الله عليه وسلم- على هداية عمه وإدخاله في الإسلام؛ حتى في آخر لحظات حياة عمه وفراقه للدنيا؛ فلم ييأس ولم يقنط من استجابته لدعوته؛ رغم ما يلقاه من صد عما جاء به من ربه.

ومن المواقف العظيمة في بيان حرص النبي -صلى الله عليه وسلم- على هداية الناس ودخولهم في الإسلام وصبره في ذلك على كل ما يلحقه من الأذى وصنوف البلاء، ما رواه البخاري في صحيحه عن عائشة زوج النبي -صلى الله عليه وسلم-: ) أَنَّهَا قَالَتْ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ؟ فَقَالَ: لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ وَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ؛ إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلالٍ، فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ، فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي، فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلاَّ بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي، فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ، فَنَادَانِي فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ -عَزَّ وَجَلَّ- قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَمَا رُدُّوا عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ، قَالَ: فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ وَسَلَّمَ عَلَيَّ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَأَنَا مَلَكُ الْجِبَالِ وَقَدْ بَعَثَنِي رَبُّكَ إِلَيْكَ لِتَأْمُرَنِي بِأَمْرِكَ، فَمَا شِئْتَ، إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الأَخْشَبَيْنِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلًابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لًا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا (.

فهذا الحديث يبين بوضوح ما كان عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- من الحرص الكبير على دخول الناس في دين الله، ولم يمنعه من ذلك ما قابله به قومه من الإعراض والإهانة والتحقير؛ حتى أرسل الله إليه ملكًا من ملائكته؛ وهو ملك الجبال يستأذنه أن يطبق على قومه الجبلين العظيمين؛ وذلك عندما قابلوا دعوة النبي -صلى الله عليه وسلم- بتلك المواقف السيئة، فلم يقابل النبي -صلى الله عليه وسلم- ذلك إلا بأن رد على ملك الجبال بأنه يرجو من الله تعالى أن يُخرج من أصلابهم وذرياتهم من يعبد الله ولا يشرك به شيئا.

وهذه الأمثلة من حرص النبي -صلى الله عليه وسلم- على هداية الناس لدين الله تعالى ما هي إلا قطرة من بحر، فضرب الأمثلة من حياته -صلى الله عليه وسلم- على ذلك من الكثرة بمكان.

ولا عجب في أن يتمثل النبي -صلى الله عليه وسلم- ذلك الخلق الكريم؛ والصفة العالية، حيث وصفه ربه تعالى في كتابه بأنه على خلق عظيم.64269_409729382442687_1274561415_n

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: