هكذا تعمل إيران حقوقياً لإخفاء جرائمها / بقلم أنور مالك

هكذا تعمل إيران حقوقياً لإخفاء جرائمها / بقلم أنور مالك

لا شيء يفضح إيران ويكشف عوراتها لدى الرأي العام الغربي ويفرض على صنّاع القرار الغربيين بالتحرّك ضدها، مثل العمل في مجال حقوق الإنسان والكشف الإعلامي لانتهاكاتها الجسيمة التي لا تزال مخفية على الشعوب الغربية خاصة.

إن الحكام في الغرب لا يتماهون مع قضايا تعاكس توجهات الرأي العام عندهم مهما كان نوعها، فهذه الدول ديمقراطية وتحكمها الشعوب، والانتخابات عندهم لا تعرف التزوير ولا التلاعب كما يجري في أغلب دول العالم الثالث، ولذلك من يستطيع أن يصل للرأي العام الغربي هو من يمكنه أن يفرض قضيته على الحكام الغربيين.

اللوبي اليهودي أدرك هذه الحقيقة من زمان، فراح يعمل من هذا المنطلق، لذلك صار لليهود تأثيرهم البالغ في رسم سياسات الدول الغربية، وليس السبب هو تعاطف الغرب مع الحركات الصهيونية – فقط – كما قد يتوهم البعض، وإن كان بلا شك أنه يوجد هذا التعاطف لحدّ ما لما يتعلق الأمر بالإسلام والمسلمين، ولكن اللوبي الصهيوني نجح في استقطاب الرأي العام الغربي مع قضاياه، من خلال العمل الجواري والجماهيري وجمعيات المجتمع المدني، ولعب رجال الأعمال اليهود دورهم البارز في صناعة وسائل إعلام قوية ومؤسسات استثمارية كبرى تحتك مباشرة مع الشعوب وما إلى ذلك من الأمور التي ليس المجال لبسطها.

المسلمون سواء كانوا في العالم العربي والإسلامي أو حتى الذين يعيشون في الغرب كمهاجرين أو يحملون جنسيات غربية، لا يتعاملون بمنطق التأثير على الرأي العام الغربي، بل تجد أغلبهم يدجنهم منطق المؤامرة ويعيشون لقضاياهم في أوطانهم الأصلية وبطرق مختلفة بينها الساذج لحد بعيد.

في حين أن الصهاينة غير ذلك تماماً، فهم يؤمنون بكيانهم في فلسطين ولكن يحشدون الرأي العام معهم عبر آليات مختلفة وجدت طريقها إلى وسائل الإعلام الثقيلة.

بحكم متابعتي لهذا الشأن وجدت أن مجال حقوق الإنسان هو الوسيلة الناجعة والمؤثرة التي يمكن أن يوصل بها المسلمون قضاياهم إلى الرأي العام ويجعلوه يتعاطف معهم ويتماهى مع توجهاتهم، وهذا بلا أدنى شك سيكون له التأثير البالغ على المواقف الرسمية للدول.

من باب الإشارة إلى أن رجال المال والأعمال العرب والمسلمين لا يستثمرون إلا في أمور لا يمكن أن يكون لها تأثير في الشعوب الغربية، وحتى الفضائيات ومواقع الإنترنت التي يطلقونها، في أغلبها موجهة للرأي العام العربي والمسلم في العالم الإسلامي فقط، وليس للرأي العام الغربي.

يعتبر ملف حقوق الإنسان من أهم الملفات التي يمكن من خلالها أن يحشد المسلمون الرأي العام الغربي حول قضاياهم، ويجعلون من خلالها الإعلام الثقيل يهتم بهم، إلا أن هذا الجانب يجري التفريط فيه كثيراً، في حين أن إيران استفادت من التجربة الصهيونية وصارت تسير على خطاها، لذلك نراها تنشط في هذا المجال بطرق مختلفة، إذ إن المخابرات الإيرانية تعمل على اختراق الكثير من المنظمات سواء عبر أشخاص تتم رشوتهم بأموال طائلة حتى يتجاهلون انتهاكات طهران في داخل كيانها الجغرافي أو خارجه، أو توجههم نحو دول معادية لها وعلى رأسها المملكة العربية السعودية بطرق متعددة وخبيثة أيضاً.

توجد منظمات كبيرة في العالم نجحت إيران في التأثير عليها وتضليلها في كثير من الأحيان، كما توجد منظمات أخرى هي من تقوم بتمويلها ودعمها حتى تبقى تركز على جهات معينة، كما أنه توجد منظمات شكلية افتراضية ليس لها تأثير بسبب قدراتها المتواضعة جداً، وهذه لا تعني لها شيئاً، وحتى إن شغلها أمرها فهي ترفع من شأنها مقابل أن تستعملها فيما تريده لأجل مصالحها.

في الوقت الذي تنشط فيها إيران كي تحمي جرائمها ضد الإنسانية من المتابعة، نجد خصومها للأسف الشديد إما أنهم لا يعطون أي أهمية لهذا الجانب أو يعوّلون على جهات ليست لديها الكفاءة، أو أنهم يراهنون على أطراف تمارس الاحتيال عليها من خلال نشاط حقوقي افتراضي لا يوجد إلا في مواقع الإنترنت.

على سبيل المثال، نجد إيران تستغل بعض الأمور لحشد الحقوقيين ضد المملكة العربية السعودية، ومن أهم ما ظل يساعدها أن أغلب الناشطين الحقوقيين البارزين من العرب هم من الليبراليين والعلمانيين الذين يعادون السعودية أصلاً بسبب منهجها الديني، وهم بسبب أيديولوجيتهم العدائية ليست لهم أدنى حيادية في التعامل مع الشأن الحقوقي السعودي، لذلك وجدوا ضالتهم في التركيز على هذه الدولة من أجل تشويه الحكم الإسلامي الذي هم خصومه من حيث المبدأ.

لقد وجدت إيران ضالتها في هؤلاء لذلك عملت على اختراقهم واحتوائهم بطرق مختلفة، وبذلك صاروا يوجهون سهامهم إلى المملكة العربية السعودية، وهذا أدى إلى نجاحهم لحد ما في تشويه واقعها عبر تقارير لا تعتمد على أي أساس منهجي صحيح، وللأسف ليس له أي حقيقة على أرض الواقع، أو تستعمل معلومات نمطية مغلوطة ستضر بمصداقيتها إن وجدت من يكشف ذلك.

الكثير من الحقوقيين العرب الذين يعيشون في الغرب لديهم منظمات أو يعملون في أخرى دولية لها ثقلها، كما لديهم حضورهم في وسائل الإعلام الغربية، لذلك تمكنوا من نشر نظرتهم السوداوية عن المملكة العربية السعودية بين الرأي العام الغربي.

أذكر في هذا السياق، أنني لما زرت المملكة العربية السعودية في يناير/ كانون الثاني 2013 لأول مرة في حياتي، وعند عودتي إلى باريس التقيت ببعض الحقوقيين وبينهم من تعجب من رجوعي سالماً من دون اعتقالي من طرف هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأنني لست ملتحياً، فلهم معلومات أن هذه الهيئة -المفترى عليها كثيراً- تعتدي على الناس في الشوارع وتجبر الأجانب غير الملتحين بإعفاء لحيتهم وأمور أخرى كثيرة ليس المجال لذكرها!

إن تركيز مخابرات إيران على تشويه المملكة العربية السعودية لدى الرأي العام الغربي، باستعمال المنظمات الحقوقية والناشطين الحقوقيين، يهدف أساساً إلى صناعة لوبي نافذ في الغرب يناهض السياسة السعودية المعادية للمشروع الإيراني المتمدد في العالم الإسلامي وعبر حروب نجسة مدمرة للإنسان والبنيان.

لم يقتصر الأمر على السعودية بل إن إيران تعمل بالتنسيق مع حقوقيين في العالم من أجل تشويه حتى حلفائها من الدول العربية التي تحكمها أنظمة سنّية، حتى تظل دائماً تحت الضغط في مواجهة هذه المنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان، في حين أنها تسعى كي تبعد أنظمة حليفة لها مثل النظام السوري عن أي ضغط حقوقي، وهو ما كان يحدث قبل اندلاع الثورة السورية حيث تم احتواء حقوقيين كانوا من أشرس المعارضين للأسد، وتحولوا لاحقاً إلى مؤيدين له بقناع المعارضة.

في المقابل كما ذكرنا سابقاً أن إيران نجحت إلى حدّ الآن في إبعاد نفسها عن دائرة الضغط الحقوقي، رغم إدانتها حقوقياً في الأمم المتحدة، وبعض التقارير التي أصدرتها منظمة العفو الدولية بخصوص الإعدامات، وكذلك منظمة هيومن راتس ووتش، ولكن أن تترجم مثل هذه التقارير إلى إجراءات عملية فعالة وناجعة وعاجلة، مثل ملاحقة المسؤولين الإيرانيين في المحاكم الغربية عند وجودهم بدول الغرب، أو الضغط الحقوقي لإدراج مليشياتها في قوائم الإرهاب الدولي والتحرك ضدها لحماية الضحايا، أو الضغط على الهيئات الدولية كالأمم المتحدة لاتخاذ قرارات عملية تجاه الملف الحقوقي الإيراني، فهذا كله لم يحدث للأسف الشديد.

ملف حقوق الإنسان في إيران لا يوجد مثله في السواد وقد تجاوز ملف “إسرائيل” بآلاف الأضعاف من حيث حجم الانتهاكات من جرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب، وحتى جرائم الإبادة الجماعية التي يقترفها نظام الملالي في سوريا خاصة.

إيران تمتلك مليشيات مسلحة توجد في عدة دول تندرج ضمن الاحتلال الأجنبي لدول ذات سيادة، وهي خارج سيطرة الحكومات الرسمية وتخضع لقيادة أمراء حرب من عناصر الحرس الثوري أو غيره من الجهات الموالية لمرشد الثورة الإيرانية علي خامنئي. وهذه المليشيات تقترف ما يندى له الجبين من الانتهاكات، وقد تجاوزت في فظاعتها ما يقوم به تنظيم الدولة المعروف اختصاراً بـ “داعش”، غير أن هذا الأخير هو من يصور جرائمه ويقدمها للعالم في إطار سياسة الترهيب التي ينتهجها، في حين أن مليشيات إيران تخفي جرائمها وإن تسربت بعض الفيديوات أو الصور فهي تنكرها وتعلقها في عنق خصومها.

جرائم إيران كثيرة جداً، من خلال مليشيات عديدة في سوريا والعراق ومنها الحرس الثوري، وأيضاً الحشد الشعبي الذي صار يقوم بحرب إبادة لسنّة العراق، وأيضاً في اليمن من خلال عصابات الحوثيين، وفي لبنان عبر “حزب الله”، وكل هذه التنظيمات الشيعية التابعة لإيران سواء بصفة رسمية كالحرس الثوري أو بطرق الولاء لـ “الولي الفقيه”، تمارس الإرهاب وتنتهك حقوق الإنسان بطرق لا يمكن وصف حجم بشاعتها ووحشيتها.

لكن كل هذا لم يصل إلى الرأي العام الغربي، ولا المنظمات الدولية ركزت عليه، بل نجحت إيران في التغطية عليه بجرائم “داعش” الوحشية.

ولم نشهد لحد الآن إقامة معارض في العواصم الكبرى، حتى تجلب الجماهير وتفرض على الإعلام أن يهتم بها.

كما أن هذه الجرائم لم تجد طريقها بعد إلى الهيئات الدولية من أجل اتخاذ تدابير حماية ضحاياهم وفق القوانين والمواثيق الدولية المعمول بها.

للأسف الشديد تجد منظمات دولية كبيرة تشغل الرأي العام الغربي بقضية قيادة المرأة للسيارة في السعودية بغض النظر عن الموقف منها، في حين لا تتحدث عن معاناة المرأة الإيرانية التي تحولت إلى بضاعة في سوق الرقيق الأبيض من خلال تجارة المعممين بالفتيات عبر ما يسمى بزواج المتعة وغيره.

هذه المنظمات لم تهتم بجرائم الحرس الثوري في العراق وسورية حيث يجري اغتصاب النساء وذبحهن وبقر بطونهن وتعذيب الكثيرات في مخافر سرية لا يرعاها قضاء ولا أي شيء.

الحقوقيون العرب صدّعوا رؤوسنا بما يسمونها معاناة المرأة في السعودية وللأسف عبر أكاذيب كثيرة يزرعها بعض من يسمون أنفسهم بـ “الناشطين الحقوقيين” داخل المملكة نفسها عبر تقارير سرية يرسلونها إلى هذه المنظمات لتأليبها ضد بلادهم لأسباب مختلفة سنتحدث يوما ما عنها، للأسف لم نسمع همس هؤلاء عن ما يحدث للنساء في العراق وسوريا واليمن ولبنان والأحواز من طرف مليشيات تابعة مباشرة لمرشد الثورة الخمينية علي خامنئي، فهي تقوم بما لا يمكن وصفه من الجرائم في حق المرأة، وصل الأمر إلى حد تعليقهن في المشانق عبر رافعات في الساحات العمومية بما يتنافى مع أدنى القيم الأخلاقية والإنسانية.

يجب التحرك حقوقياً لفضح كيان إيران من خلال منظمات مختصة في الشأن الإيراني تتعاون مع كل الناشطين في داخل إيران وخارجها، فتوجد الكثير من الملفات الحقوقية لدى المعارضة مثل منظمة مجاهدي خلق، وأخرى لدى الأحوازيين وبقية الشعوب غير الفارسية التي تناضل من أجل تقرير مصيرها.

التجاهل أو التقصير في مجال حقوق الإنسان هو خدمة كبيرة تقدم إلى الكيان الإيراني، الذي كلما يسمع بظهور منظمة حقوقية جديدة إلا وتسارع مخابرات الملالي نحوها من أجل احتوائها بأي وسيلة كانت، وهذا لمدى حرصهم وإدراكهم لخطر انتهاكات حقوق الإنسان المعلقة في أعناقهم.

على سبيل المثال نجد الحكومة الإيرانية في كل دورة تنعقد بجنيف لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، إلا وتشمر على ساعديها حتى تنجح في ستر عيوبها وتوجيه الأنظار نحو دول أخرى وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، لأن مثل هذه الدورات تحضرها وسائل إعلام ثقيلة من دول مختلفة وبكل لغات العالم، وهي فرصة من ذهب لتشويه خصومها وستر عورات ثورتها التي تنتهك حقوق الإنسان في وضح النهار ولم تجد فقط من يهتم بها كما يجب أن يكون.

وللحديث بقية

الخليج اونلاين

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: