هكذا يقرؤون: خلافة بتركيا وزوال الكيان الصهيوني بقلم أمير سعيد

يتقدم قاراصوه اليهودي ضمن وفد مجلس المبعوثان، ليسلم هذه الورقة إلى السلطان عبدالحميد.. لقد تم عزلك بموجب فتوى!

أراد اليهود أن يكونوا حاضرين بشكل ظاهر في حادثة عزل آخر السلاطين الحقيقيين للخلافة العثمانية، ولا يكتفون بحضورهم الخفي؛ فتلك المناسبة هي بمثابة التوقيع على قرار إعدام الخلافة الإسلامية.. ثلاثة عشر قرناً، تمثل قطاراً كان اليهود موجودين هناك عند شد جميع مكابحه..

الآن، ارتاح الصهاينة وبدؤوا بتأسيس كيانهم الصهيوني .. هاهم يعتبرون أن هذه الديانة وأتباعها قد محوا أفضليتهم على الأمم، وأخذوا مكانهم، وآن لهم أن يتقهقروا، وذاك لن يكون إلا حيثما تزول الخلافة الإسلامية.. وقد فعلوا.

بعد سنوات قليلة ألغيت الخلافة العثمانية، وبدأ تأسيس دولة “تركيا الحديثة” على مساحة تقل عن معشار قيمة مساحة الخلافة العثمانية في أقصى اتساعها.. وضع أتاتورك “الحل”، إنه العلمانية، لإقامة دولة أوروبية “حديثة”.. العام 1923 هو موعد الإعلان عن هذا.. استمرت الأتاتوركية لنحو قرن.. تركيا خطت طريقها نحو التخلف!

مضى القرن، بدأ بصعود للصهاينة، وإنشاء كيانهم على أرض فلسطين، ومقاومة الخلافة العثمانية تخور حيال هذا.. الخلافة تسقط.. بنهايته بدأ الصهاينة طريقهم نحو القاع، والمقاومة التركية لهم تتصاعد.. والخلافة تبزغ!

زعيم تركيا الجديد، رجب طيب أردوغان، يقدم مفهوماً جديداً لـ”الحداثة”.. لقد صار أتاتورك من الماضي، حتى بين أنصاره لابد أن يشرعوا بالاقتناع أن تركيا “الحديثة” لن تظل حديثة بعد قرن من الزمان، بل هي بحاجة لتأسيس جديد! يفجر أردوغان الذي ساهم بـ”أسلمة” تركيا مجدداً مفاجأته.. إنه يضع سقفاً زمنياً لبرنامجه لصعود تركيا لتصبح الرقم الأول في المنطقة هو العام 2023

ليس تاريخاً اعتباطياً، هناك في عواصم الغرب، وغير بعيد في تل أبيب يقرؤون التاريخ جيداً.. يدركون الفكرة، إن أردوغان ليس راغباً في تأسيس ثانٍ للجمهورية التركية، إنه يؤسس لعودة الخلافة العثمانية من جديد! وهناك في فلسطين يلحظون نمواً كبيراً في الاهتمام التركي بفلسطين، ليس بالإغاثة الإنسانية والطبية فحسب، بل بسياسة تبدو آخذة في الانتقال من التلميح إلى التصريح، ومن الخفاء إلى العلانية؛ فرئيس وزراء تركيا الجديد قبل أن يتسلم مهام منصبه قد وضع النقاط على الحروف في القضية، فـ “ليعلم هؤلاء الذين يحاولون أن يمحوا أهل غزة بقصفهم العدواني، أنه على أرض غزة سالت دماء جنودنا، وكل مكان سالت عليه دماء تركية سيصدح فيه صوت الجمهورية التركية، وستبذل من أجله قصارى الجهود”، هكذا قال أحمد داود أوغلو أواخر جويلية الماضي، وهكذا قالت يديعوت أحرونوت العبرية (23اوت) “إن تولي داود أوغلو رئاسة الحكومة التركية لا يحمل أنباء سارة لتل أبيب (…) ؛ فالدوائر السياسية في تل أبيب لا تعقد أي آمال على رئيس الحكومة التركية الجديد في تعزيز العلاقات بين أنقرة و الكيان الصهيوني “.

الكيان الصهيوني وعواصم الغرب صار يدرك أن صور وتماثيل أتاتورك المنتشرة في المؤسسات الحكومية ما عادت سوى فزاعات حقل ليس إلا، فالنظام الأردوغاني قد أدار ظهره شيئاً فشيئاً للأتاتوركية، وهو ماضٍ في محو كل إرث أتاتورك بما فيه جريمته الكبرى، إلغاء الخلافة العثمانية، وأنه قد بات عازماً على تأسيس خلافة وليس “تركيا الحديثة” مثلما يقول برنامجه؛ فكل عناصره تقود إلى هذا، لكنه يحجم عن تسمية هذا المشروع بـ”الخلافة”، ربما لأجل.. هكذا أظنهم يقرؤون البرنامج.. فلن يخطئ حدسهم هذا الطموح، أو هكذا أراهم يفكرون؛ فالمسألة لا تتوقف على كون مشروع العدالة والتنمية يرنو إلى تسمية هذه الدولة الواعدة بالخلافة أم لا.. يكفي أن تكون هذه الدولة تعود إلى هويتها وتستقل عن محيطها وتؤثر في العالم لتصبح خطراً داهماً مهما كان مسماها؛ فمضمونها ـ في تقديرهم هكذا ـ “خلافة”، ولقد بات أردوغان يشار إليه تهكماً تارة وقناعة أخرى في إعلام أوروبا بـ”السلطان”!

القلق يساورهم؛ فخط الزمان ينعكس، وخط السياسة أيضاً كذلك يسير في طريقه المعكوس.. جاء هرتزل يعرض على السلطان عبدالحميد قطعاً من الذهب في وقت كانت الخلافة ترزح تحت ديون ثقيلة لدول “الاستعمار”.. الآن صار الناتج المحلي لتركيا يفوق نواتج أكبر ثلاث دولة نفطية في الخليج العربي، وإذا كان الخلافة في زمانها الأخير قد تورطت في الحرب العالمية الأولى؛ فإن إدارة أردوغان نأت بنفسها عن أي صراع، واختط مهندسها الاستراتيجي أحمد داود أوغلو سياسة صفر مشكلات في المنطقة لتوفير الجهد والمال لإعادة بناء تركيا ونموها، وإذا كانت مظالم القوميات قد أمرضت دولة الخلافة؛ فإن مفتاح الحل في مباشرة سياسة عادلة في تركيا، وإذا كانت مؤسسات الدولة قد أفلتت من يد السلطان؛ فإن “العثمانيين الجدد” آخذين في استردادها، وإذا كانت المؤامرات والقوى الخفية والماسونية قد فتكت بالداخل العثماني؛ فإن إدارة أردوغان عازمة على ملاحقة كل عناصر “الدولة العميقة” مهما تسربلوا بالأمن القومي أو التحفوا بأردية الإخلاص والتفاني..

الكيان الصهيوني يرمق اسطنبول الآن، ويراها تعج بالسياح من أطراف العالم، وتستقبل أعداداً هائلة من العرب، وتمثل ملاذاً لكثير من لاجئيهم، وسائحيهم، وإذ كانت الوكالة اليهودية في المقابل قبل قرن تجد خطاها باتجاه الدعوة للهجرة إلى “أرض المعاد” استعداداً لإنشاء “مملكة الرب”.. “إسرائيل”، فيما كان نجم الخلافة في أفول؛ فإن حلفاء حكومة العدالة والتنمية التركية يرغمون الآلاف من الصهاينة على الهجرة من فلسطين، لاسيما من حزام غزة، ويفرضون حصارهم على مطارها، ويضربون العزلة شيئاً فشيئاً عليها.

وقادة الكيان الصهيوني، ومنظروه، ومثقفوه، وحلفاؤهم الغربيون لم يعودوا الآن يرصدون ما يصدر من هنا أو هناك عن فكرة “زوال إسرائيل”، على أنها محض “دروشة” أو أماني يطلقها “الغيبيون” الذين يتوقعون زوالها حول العام 2022، ولكنهم قد غدوا يرصدون معطيات حقيقية تدندن حول هذا التاريخ من شواهد مؤلمة للغاصبين الصهاينة بعد أن أصبحت الصواريخ الفلسطينية تتقاطر عليهم كلما أسقطت طائرة حمماً على غزة، معطيات تقود ليس إلى التأكيد ضرورة، وإنما النظر باحترام لأصحاب هذا الرأي كونهم لا يشطحون به ظنياً، وإنما يتخذون طريقاً علمياً يمد خطوط الهزيمة الصهيونية على استقامتها فتحدث تلاقٍ عن هذه النقطة.

لم يعد 2022 وهماً لدى كثيرين، بل احتمالاً وضع الآن على طاولة الباحثين في مراكز دراسات غربية صارت تتحدث للمرة الأولى في تاريخها علناً عن “زوال الكيان الصهيوني ، بعد أن قادت معطيات من قبيل النمو في قوة الخصم الفلسطيني، وتحييد كثير من الأسلحة الصهيونية، وهزيمة الكيان الصهيوني الأخلاقية في العالم، وعودتها إلى شيء من العزلة، ونبذ ساستها وانكفائهم داخل الكيان، والهجرة العكسية، والانهيار السياحي، والمقاطعات الأوروبية، واضطراب المنطقة حول فلسطين، وزيادة قدرات المسلحين المناوئين لها في المنطقة..الخ.. قادت إلى احتمالية إصابة هذا الكيان بانتكاسات أكبر تسرع من وتيرة الهجرة العكسية التي يستحيل منعها بأساليب قمعية “أبارتهيدية”، ولذا يظل الاحتمال قائماً بل صاعداً في ظل بقاء الكيان على فرضية قناعة مغتصبي فلسطين، ومراوحتهم بين الأيديولوجية الصهيونية والبراجماتية المعيشية.

كذا، 2023 ليس افتراضاً خيالياً في الجانب التركي؛ فالبعض قد يرى في شخص أردوغان رئيساً للحكومة عقداً، وثان رئيساً لها، ثم خليفة في العقد الثالث! لكن إن كان هذا قد يبدو مستبعداً ـ على الأقل من وجهة نظري ـ على الصعيد الشخصي للرجل، وعلى صعيد مسمى الدولة التركية بعد تسعة أعوام؛ فإن الجوهر قد لا يكون مستبعداً مطلقاً.. إلا إذا..

إلا إذا نجحت مساعي الغرب والكيان الصهيوني في تقويض هذا العملاق الصاعد من خلال سيناريوهات ومسارات تقود منفردة أو مجتمعة إلى كبح جماح القطار العثماني مرة أخرى، وإعادة عقارب الساعة إلى قرن ماضٍ من الزمان أفضى في آخره إلى قناعة بأن هذا كافٍ لإدراك الشعب التركي بفداحة ما قد أوقعتهم فيه أماني “تركيا/أتاتورك”..

ربما هنا نجحت العدالة والتنمية في إبقاء رهان إعادة إنتاج الأتاتوركية صعباً على مريديه؛ فلقد أضحى التوق إلى العثمانية أكثر من خيال يراود كبار السن في خلواتهم؛ فتأملوا ما قاله إبراهيم قاراغول في مقاله المعنون بـ” رئيس وزراء تركيا أحمد داود أوغلو والثورة التركية” بصحيفة يني شفق 22 أوت: “إن التعاون بين أردوغان وداود أوغلو، وبدعم من الكادر الجديد، سيخلص تركيا من براثن القرن الماضي، ويطوي صفحة الماضي المظلم وسيعيد إنشاء تركيا من جديد (…) هذه المرحلة الفاصلة في تاريخ الدولة التركية، لا يمكننا أن نعتبرها مجرد مصادفات. فاليوم يتم تطبيق الفكر والوعي العثماني والسلجوقي على الجمهورية التركية من خلال أردوغان وداود أوغلو، فهم يعتمدون على الميراث السياسي القوي للدولة العثمانية من أجل هذا البناء الجديد”.

إن ما يمكن قراءته بعد نجاح أردوغان في الوصول للرئاسة، وداود أوغلو لرئاسة الحكومة، أننا إزاء شخصين معنيان أكثر بالامتداد بالسياسة الخارجية إلى أفق أرحب.. كلاهما طامح إلى لعب تركيا دوراً محورياً في العالم، كلاهما ترك الشأن الداخلي نوعاً ما إلى صف تالٍ، ولذا؛ فإن إشارة حضور رئيس قرغيزستان ألماز بيك أتام باييف احتفال إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية التركية إلى جوار الرئيس المنتخب أردوغان، مهنئاً ومؤيداً، لا يمكن إغفالها تماماً؛ فتلك الإشارة سيقرؤها كل من يعرف تاريخ العثمانيين جيداً، وسيرى فيها مؤشراً على سياسة جديدة ستكون أكثر اقتراباً من “أعمال الدولة العثمانية وولاياتها”، سواء في آسيا الوسطى أو البلقان على الأقل.

الأمر لم يعد سراً؛ فإذا كان البعض لم ينظر للصورة هكذا؛ فإن الكيان الصهيوني والعواصم الغربية إن لم يرها هكذا؛ فغالب الظن ستضعها ضمن أبرز الاحتمالات القادمة، وسيندفعون بكل ما أوتوا من قوة لإيقاف قطار تركيا الجديدة.. نحن ماضون إلى لحظة فارقة، وهي لحظة صدام لا محالة بين مشروعين متناقضين، لم يعرفا الهدنة على مر القرون.

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: