هل انتصرنا في العصف المأكول؟!

النصر بالمفهوم التقليدي القديم يعني الحسم وقلب موازين المعادلة وسحق الخصم نهائياً، واليوم في الحروب الحديثة زادت من تعقيدات معاني النصر والهزيمة ومثال ذلك ما حدث في العراق إبان الغزو الأمريكي حيث ظن المتابعون هزيمة العراق عسكرياً إلا أن ما حدث هو تورط الإمبراطورية الأمريكية وبدء انحسارها وتراجعها مما سيتم معرفته بالهزيمة في السياق التاريخي، وهذا ما سيحدث لإسرائيل وستكون هذه المعركة من أهم حلقات تراجعها وانحسارها السريع.

 

فرغم العدد الكبير من الشهداء والجرحى، والقوة العسكرية المفرطة التي استخدمتها إسرائيل بما يعادل أربع قنابل نووية فما حدث بالعصف المأكول هو نصر فلسطيني عسكري واضح حيث استطاعت كتائب القسام إيقاع الخسائر المباشرة في العدو وقتلت وجرحت وأسرت العديد من جنوده، مما أدى إلى فرار جيش الاحتلال واستغلال فترة التهدئة الأولى لهروب الجيش من غزة حيث لم يستطع الخروج والانسحاب تحت ضربات الهاون والعمليات الالتفافية التي سميت مجازاً بالإنزال خلف خطوط العدو.

 

كما أن الاحتلال لم يستطع تقليل حجم الصواريخ المتساقطة على التجمعات الصهيونية العسكرية منها واللوجستية حتى آخر يوم في الحرب فضلاً عن إيقافها بشكل كلي، فاستمر منسوب الصواريخ نفسه الذي بدأ أول أيام العدوان، حتى أن المدن المركزية كحيفا والقدس وتل أبيب واللّد استمر قصفها حتى اللحظة الأخيرة.

 

وما يعزز وضوح نصر غزة فشل الاحتلال بجميع أهدافه العسكرية المعلنة منها والخفية، والتي تبدأ بسحق حماس وتغيير الواقع في قطاع غزة ولا تنتهي بالقضاء على الأنفاق والقدرة الصاروخية، وهناك اعترافات صريحة بالفشل والخيبة من قبل الكبينت ورئيس الحكومة، فقد اعتبر نتنياهو في أكثر من تصريح أن الانجاز الوحيد هو إرساء محور إقليمي عربي يواجه حماس، وهذا ما تباهى به نتنياهو علناً أكثر من مرة وتحدث عنه الكتاب والصحفيون القريبون من صنع القرار والسياسة في إسرائيل، وألمحوا بشكل واضح لعباس والسيسي وهذا ما يحتم موقفاً مصرياً واضحاً وقرارات صريحة من قبل أبي مازن تنافي ما يتحدث به الإسرائيليون. ولنحذر من المحاولات الحثيثة للالتفاف على نصر وصمود شعبنا وتبهيته عبر زعزعة ذلك في نفوس الفلسطينيين لكي لا يتم البناء عليه واستثماره في مشروعنا التحرري، وذلك بالهجوم الإعلامي ومحاولة التشكيك وتقليل ما حققه شعبنا من خلال بعض الأقلام وتصريحات المسؤولين والوسائل القريبة من المخابرات الإسرائيلية والإقليمية، والتي هالها ما حدث من قبل شعب أعزل محاصر محارب في قوت يومه فإذا به يقف في وجه الجيش الذي “لا يقهر” فيهزمه ويقهره بشكل لا لبس فيه وينتصر عليه ويهدد أمنه وكينونته.

 

ما حدث في غزة خطوات واضحة نحو التحرير وهو مقدمة لانتصار شعبنا إن تم استثماره والبناء عليه بنصر سياسي يُرفع فيه الحصار، ويُعزز مشروع المقاومة والكفاح المسلح والاعتماد على الذات الفلسطينية وفق سياسة موحدة تنهي كارثة أوسلو المقيتة.

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: