هل تتصالح حركة النهضة مع قاعدتها و شعبها …؟ / بقلم حمادي الغربي

تشهد تونس تخمة من الأخبار و الأحداث المتتالية مما تدفع المتابع للشأن التونسي تسجيل حضوره و ترك بصمته على المشهد العام و المساهمة بالمشاركة في صناعة القرار و إبداء الرأي و إنارة شمعة في ليلة ظلماء و لعل هذه التخمة و التسابق نحو الهدف الموهوم تفقد الكثير تحديد اتجاه البوصلة الصحيح بدل اتجاه القبلة التي تولي الحركة الاسلامية وجهتها إليها . في هذا الإطار تأتي مداخلتي المتواضعة تعقيبا على اجتهادات النهضة عبر نشاطها السياسي الذي اتسم بالاخفاقات أكثر منه من النجاحات و لا أسلك اليوم سبيل النقد او جلد الذات كما يسميه البعض و لكني أستثمر ايضا هذه المناسبة و أشدد على الرافضين لنقد الذات و محاسبة النفس و مراجعة العطاء السابق أقول لهم أنه من أدبيات العمل الاسلامي و بناء الذات و التربية الاسلامية العطرة ترتكز على فلسفة المراجعة و المحاسبة و الاستغفار و من ثم التطلع نحو العلو و السمو و من لا يسلك هذا الدرب سينزل أرضا و يتلطخ بالطين و يلتصق بالوحل لما تهب عليه رياح التغيير و نسمات التدافع . من المتوقع أن تتذكر قيادة النهضة اليوم و ليس البارحة أن لها قاعدة و ذلك بعد أن خسرت السلطة ، أما لما كانت في الحكومة لم يكن لها من الوقت الكافي و الاعتبار المستحق لقاعدتها لانها لا تمثل لهم في عقليتهم سوى ظاهرة صوتية و لا تشكل تأثيرا على مجريات الأحداث ….اما اليوم و لما خسروا السلطة هرولوا للقواعد لكي ينفخوا فيهم من جديد و يدفعوهم للشوارع لتخويف خصومهم السياسيين الذين أخرجوهم من الحكم . ليس هكذا تدار السياسة و ليس بهذه العقلية الأحادية تسير الحركة …و لولا القواعد الجماهيرية ما كانت النهضة …تخيلوا لو تمردت القواعد غدا و صوتت لحزب المؤتمر الذي كان صمام أمان لتونس و التي أثبتت عملية الاستفتاء تفوق مؤسس الحزب و رئيس الدولة الحالي على أعلى نسبة تصويت و حصوله على المرتبة الأولى ، أليست المعادلة ستتغير ..؟ و ناهيك عن القواعد المغيبة فان مجلس الشورى للحركة لم يكن يوما من الأيام له نشاط مميز و لا مساهمة فعالة في تحديد سياسة الحركة بل يذكرنا ببرلمان بن علي لما كان يريد أن يمرر قرارته التي اتخذها ليلة أمس في سهرة عائلية مع الطرابلسية يستدعي البرلمان و لو بشكل صوريا للتصديق على رغباته أما النهضة بعد أن تتخذ القرار و تجلس مع خصومها و تحسم امرها تنادي بعدها في مجلس الشورى لتبادل اطراف الحديث و تسمعهم ما تريد أسماعهم إياه و إثرها ينفض المجلس بالتحيات الزكيات و الى اللقاء في جلسة قادمة و تفقد الشورى بعدها التعبدي الى بعدها الشكلي و يفوز بن علي على النهضة في هذه المسألة . اليوم يتشكل جيشا من المحامين للدفاع عن صهر الشيخ في قضية ملفقة و مكيدة سياسية و لكن تتساءل قواعد النهضة قائلة : أين هذا الجيش من المحامين لما انتهكت حرمة الله في قبة المجلس التأسيسي و اين هو لما وقع الاستهزاء بالمقدسات و أين هو… و السجون التونسية يقبع بها اليوم اسلاميون من ابناء الحركة بتهم ملفقة و اين العدالة في الألاف من المنتمين للحركة و المعتصمين بالشوارع و تحت المطر … أم هذا صهر الشيخ و رمز الحزب ام اؤلئك يمكن استبدالهم … “إنما أهلك الذين قبلكم انهم كانوا اذا سرق فيهم الشريف تركوه و اذا سرق فيهم الضعيف اقاموا عليه الحد و ايم الله لو ان فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها ” – حديث – للاستدلال بالحديث عن المساواة في التعامل بين القيادة و القاعدة و ان الناس سواسية و ان العدل اساس الحكم . ربما الانتكاسة التي اصابت الحركة لانها قدمت مصالح الحزب على كلمة الله و قدمت وهم الديمقراطية على شعائر الله الكلية و اياته و بالتتبع لسياسة الحركة و قراراتها المصيرية لم نر فيها حقيقة وجه الله في مواقف عدة بل رأينا فيها مجاملة للغرب و هدايا مجانية للخصوم و جريا وراء مكاسب ضيقة و التي سوف تتبخر حتما بعامل الزمن ، حتى وثيقة الدستور التي تفتخر النهضة بانجازها سقطت في اول امتحان لها إذ جاءت قرارات من جهة غير معروفة تدعو بتعليق الحرية و لو الى حين و ذلك بعدم الطعن في الحكومة والمنع المطلق لنقدها …أين حرية التعبير إذن في الدستور و حق النقد و اين تلك الفرحة بمسرح قبة المجلس و أين الحرية المنصوص عليها في الدستور و تباهي بها النهضة العالم بأنها حققت القيمة الانسانية الكبرى و هذا يغني عما سواه …أقول: إن الحرية إن لم تجد قوة تحميها و تصونها فهي من لغو الكلام…؟ انتظروا فإن الأسوأ قادم ، هنالك حديث جاري للقضاء على الارهاب و منابعه يعني التصدي للاسلام و التفكير الاخواني كما يصورونه …!!! أيها السادة لقد علمنا التاريخ و علمتنا المدارس السياسية أنه اذا ما فشل فريق سياسي ما في أدائه العام يتخلى عن منصبه لغيره و كما أشاد العالم بزهد النهضة في السلطة حرصا على مصلحة الوطن فإنه بنفس المنطق و عملا بنفس القاعدة فإن أنصار الحركة غير مرتاحين لأداء مسؤوليهم و يتمنون تغيير الوجوه و المواقع لمن تسبب في نكسة الحركة لضخ دماء جديدة في القاعدة و إعادة الثقة بين قيادة النهضة و قواعدها من جهة و بين الحركة و الشعب من جهة أخرى . أما في صورة عدم استجابة الحركة لطلبات القواعد فهنالك خيار ثالث لا مفر منه وهو التفكير بتأسيس حزب جديد ذا مرجعية اسلامية لحماية المشروع من التيه و يتولى هذا الحزب التحالف مع النهضة و التنافس على خدمة تونس والاستفادة من فكرة تحالف عشرات الاحزاب اليسارية التي تشكل رقما و ضغطا محليا و دوليا على الاسلام و رجاله . و ألخص خطوات المرحلة القادمة لإعادة العافية للمشروع الاسلامي بالنقاط التالية : 1- تبديل الوجوه القديمة التي شهدت في عصرها نكسة الحركة بوجوه جديدة لبعث الأمل و توحيد الصف . 2- في حالة تعنت القيادة و تمسكها بالسلطة و عدم احترام التداول على الادارة و العمل الفعلي بالشورى و تقديم مصلحة الجماعة على الفرد فانه يجب على القواعد ان تتخذ أمرا بالخروج عن النهضة اداريا و تشيكل حزبا آخرا يتسم بالمحبة و الاخوة و التواضع و العدل و الشورى الحقيقية و سوف يضمن هذا التيار الجديد الانتشار و التوسع إذا التزم بقواعد السياسة الشرعية . 3- إحياء روح الثورة من جديد للتصدي للمؤامرات القادمة و وقف مسلسل التنازلات و إعادة زمام المبادرة للثوار و الشباب و المجتمع المدني الوطني . 4- المصالحة مع الله في برنامج عملي و سياسة واضحة المعالم . 5- المصالحة مع الشعب و الاعتذار له و الاقتراب منه . و أخيرا أذكر الاخوة ان العمل السياسي الذي لا يتسم بالنقد و محاسبة النفس و تجديد الروح و الاستماع للرأي الآخر فان مصير الحزب المتعنت حتما الى الزوال ثم إن القاعدة التي تستمع و لا تتكلم و التي تقبل و لا تعطي فان مصيرها الى التحنط .

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: