هل “حزب الله” منظمة إرهابية؟ (2)/بقلم أنور مالك

هل “حزب الله” منظمة إرهابية؟ (2)/بقلم أنور مالك

 

حسن نصر الله يعمل منذ سنوات على صناعة جناح لحزبه الإيراني في شمال أفريقيا، حيث يراهن على شيعة من الجزائر وتونس والمغرب وليبيا وموريتانيا.

سبق أن جرت اجتماعات في دول أوروبية خلال 2007 و 2008 وبعدها أيضاً، التقى فيها رموز التشيّع في المغرب العربي، من أجل وضع خطة مغاربية تتكون من عدة مراحل تنتهي بالإعلان عن تنظيم “حزب الله المغاربي”، ولكن النشاطات باءت بالفشل لأن الظروف كانت غير مواتية في تلك المرحلة.

انتقلت مخابرات إيران لخطة بديلة لمحاولة صناعة هذه الميلشيات قطرياً، أي “حزب الله الجزائري”، “حزب الله التونسي”، “حزب الله المغربي” وغيرهم، وتكون البداية بـ “حزب الله الليبي”؛ حيث إن ليبيا تعيش ظروفاً أمنية متدهورة جداً، وتساعد على تحقيق نصر الله لغايته.

طبعاً الحزبُ تحت رعاية خامنئي يراهن حتى على دول أفريقية أخرى، كما حدث مع نيجيريا التي تتمتع بثقل سكاني، وتحتوي على أرضية صوفية خصبة وعميقة تساعد كثيراً على نشر التشيّع، حيث صار فيها تنظيم “حزب الله النيجيري” بقيادة رجل الدين الشيعي إبراهيم الزكزاكي، الذي كرمته الحكومة الإيرانية في فبراير 2015، بمناسبة الذكرى 36 للثورة الخمينية.

صناعة أذرع لـ “حزب الله” تجري على قدم وساق بدول أخرى في القارة السمراء، خاصة في الدول التي تشهد نشاطاً إيرانياً كثيفاً لنشر التشيّع، مثل السنغال وغيره.

نقاط على الحروف

على الرغم من كل هذه الحيثيات التي ذكرناها سابقاً فلنفترض جدلاً وتجاوزاً بأن “حزب الله” بالفعل حارب “إسرائيل” في 2006، وحرر الجنوب اللبناني الذي انسحب منه الكيان الصهيوني، وأن التنظيم يشكل المقاومة الحقيقية ضد الكيان الصهيوني، فهل من حق الدول الخليجية والعربية إدراجه كمنظمة إرهابية؟

يجب أن نؤكد في البداية أن ماضي “حزب الله” لو كان “مشرّفاً” و “مقاوماً” كما يزعم الصفويون، والمقاومجيون كما يسميهم الإعلامي فيصل القاسم، فإن ذلك لا يجب أن يكون مبرّراً للسكوت عن جرائمه، وإن تحوّل للإرهاب في داخل لبنان أو خارجه فيجب محاربته وإدراجه في قوائم الإرهاب، حتى لو أن “إسرائيل” نفسها اتهمته بالإرهاب، فثمة فرق بين أن يتهم بذلك من طرف الكيان الصهيوني بسبب الحرب معه، وبين دول عربية يجري استهداف أمنها من طرف منظمة حسن نصر الله، لأن ماضي أي إنسان أو منظمة أو حزب أو حاكم لا يمكن أن يبرر جرائمه أبداً، هذا واضح في الإسلام وكل الشرائع السماوية أو الوضعية من القانون الدولي وغيره.

بعد حرب 2006 كشّر “حزب الله” عن أنيابه الحقيقية؛ فقد اجتاح بيروت في 2008، وأدى ذلك إلى مقتل ما لا يقل عن سبعين لبنانياً بسبب قرار مجلس الوزراء حينها بمصادرة شبكة الاتصالات التابعة لسلاح الإشارة التابع لتنظيم “حزب الله”.

حزب إيران في لبنان هيمن على القرار السياسي والأمني والعسكري والاقتصادي في البلاد بقوة السلاح، وصار قوة أكبر من قوة الدولة نفسها، لأن مهمته المحدودة والمحددة مع الصهاينة انتهت، فلا يمكنه أبداً أن يخوض أي حرب جديدة لأسباب كثيرة؛ منها المتعلقة به وأخرى ترتبط بوضع الحدود مع “إسرائيل”.

لم يقتصر أمر “حزب الله” على ضرب كيان الدولة اللبنانية من الداخل، بل صار يتدخل في شؤون الدول العربية، فقد حاول العبث بأمن مصر من خلال مجموعة سامي شهاب التي زعم نصر الله حينها أنه يقوم بالدعم اللوجستي لمصلحة المقاومة في غزة.

التحقيقات مع الخلية وعلى رأسها شهاب- الذي كان قيادياً في “حزب الله”- بعد القبض عليه، كشفت أنها كانت تسعى لتنفيذ ثلاث عمليات إرهابية ضد مواطنين مصريين وإسرائيليين في مصر، واعترف زعيمها بأن العمليات كلها كانت تستهدف الوضع الداخلي في مصر،‏ ولا علاقة لها بمساعدة التنظيمات الفلسطينية في غزة.

وقال في التحقيقات إن قيادات “حزب الله” كلفته بتنفيذ عمليات إرهابية داخل الأراضي المصرية، واستهداف السياح الإسرائيليين، وتنفيذ هذه العمليات سواء بتفجيرات انتحارية أو سيارات ملغومة، أو زرع عبوات ناسفة في مناطق سيناء،‏ وخاصة منتجعات دهب وطابا ونويبع،‏ وكان سيعقبها صدور بيان من قيادة “حزب الله” تؤكد فيه مسؤوليتها عن هذه العمليات، رداً على مقتل قائدها العسكري عماد مغنية.

التحقيقات التي أجرتها معه السلطات المصرية كشفت أيضاً، حسب ما نقلته وسائل الإعلام، أن حسن نصر الله هو من أصدر التكليف لنائبه نعيم قاسم الذي نقله إلى المتهم الآخر في الخلية محمد قبلان‏، ثم بدوره نقل التكليف إلى سامي شهاب، ودخل قبلان إلى التراب المصري خلال شهري مارس/آذار وأبريل/نيسان من عام 2009 بجواز سفر مزور باسم حسان الغول‏، ثم انتقل إلى العريش،‏ والتقى مع مجموعة من أعضاء الخلية داخل منزل أحد المتهمين المحبوسين،‏ وأشرف على عمليات تصنيع المتفجرات والأحزمة الناسفة.

ملف القضية الذي جاء في 7 آلاف ورقة كشف أيضاً أن المتهمين صدرت لهم تعليمات بتنفيذ أعمال إرهابية ضد السفن والبوارج العابرة لقناة السويس والسائحين الأجانب والمنشآت السياحية، وجمع معلومات وبيانات عن أماكن الخدمات الأمنية الثابتة والمتحركة على طريق المرشدين الموازي لقناة السويس، والأوضاع الأمنية والسكانية ببعض المدن في سيناء، وأماكن تردد السائحين الأجانب بنويبع.

بعد إحالته للمحاكمة صدر حكم ضد شهاب بالحبس لمدة 15 عاماً، وأودع السجن، إلا أنه عقب اندلاع ثورة 25 يناير هرب من السجن متوجهاً إلى لبنان، وظهر في احتفالية للحزب على شاشات الفضائيات، معلناً هروبه من مصر، وفاجأ حسن نصر الله الحضور في الاحتفالية وقدم لهم شهاب واصفاً إياه بالأسير المحرر، ثم خاطب المصريين بقوله:

نشكركم كل الشكر على تحرير هؤلاء الأسرى.

لم يقتصر الأمر على هذا في مصر، بل توجد معلومات بتورط “حزب الله” في تهريب المخدرات بمختلف أنواعها، من أجل ضرب أمنها واستقرارها عبر هذه السموم التي توزّع بين الشباب خاصة.

كما كان لـ “حزب الله” نشاطات في البحرين حيث راح يحرك خلاياه في السنوات الأخيرة مستغلاً ثورات ما يسمى “الربيع العربي”، وصل به الأمر حد تأسيس تنظيم “حزب الله” البحريني، على غرار أجنحة له في الكويت وحتى السعودية.

أما في سوريا فقد تدخل عسكرياً من خلال مليشيات لإنقاذ نظام الديكتاتور بشار الأسد الذي قتل أكثر من نصف مليون مواطن، وهجّر وعذّب واختطف الملايين من المدنيين السوريين، ودمر القرى والمدن بما فيها من بيوت ومشاف ومدارس وجامعات على رؤوس الأطفال والنساء والشيوخ والمرضى.

جرائم “حزب الله” في سوريا لا يمكن حصرها، فهو يمارس القتل الطائفي على الهوية، ومليشياته تغتصب النساء، وتذبح الأطفال وتقصف المدن، وكل ما لا يخطر على عقول البشر تقترفه مليشيات حسن نصر الله في سوريا، والتي بها فقط يستحق ملاحقته كما يجري مع البغدادي والظواهري وغيرهما.

ما حدث في القصير السورية لما هاجمها “حزب الله” وصل حد القتل الجماعي والنحر بسكاكين عليها شعارات طائفية مثل “يا حسين”، وقد خرجت شهادات كثيرة تتحدث عن حجم وهول الجرائم التي يقترفها التنظيم بوحشية لا يمكن أبداً وصف مدى بشاعتها.

لم يقتصر الأمر على القصير ولا على الزبداني، فقد حاصر “حزب الله” أكثر من 60 ألف مواطن في مضايا السورية، ومنع عنهم الغذاء والدواء والماء بنية إبادتهم، وتهمتُهم أنهم من الأغلبية السنّية المناهضة لنظام الأسد والاحتلال الإيراني، وقد مات عدد منهم بسبب الجوع، كما أن الأحياء صاروا يأكلون الحشائش والقطط والكلاب وغير ذلك.

هذا بحد ذاته جريمة حرب قد ترتقي إلى درجة الإبادة الجماعية، كما أنه كان يختطف كل مواطن يغادر الحصار، وبينهم من تمّ إعدامهم ميدانياً من دون محاكمة، وقبل ذلك يتعرّضون لتعذيب يفوق كل الحدود.

أيضاً تحرك “حزب الله” في اليمن لدعم مليشيات الحوثيين التي نجحت في الانقلاب على الدولة اليمنية بدعم عسكري إيراني، حيث إن الحزب أرسل مدربين ومقاتلين، وهو الذي أكدته الحكومة اليمنية وغيرها من المصادر الموثوقة، وفيها حتى مقطع مصور مسرّب عن هذا النشاط الداعم لمنظمة “أنصار الله” الإرهابية التي بدورها تقترف جرائم الحرب بحق الشعب اليمني.

لو بقينا نحصي جرائم “حزب الله” وشبكاته ومليشياته ما كفانا المقام، وكل المعطيات تؤكد أنه بالفعل منظمة إرهابية، والتهمة التي وجهتها له دول الخليج ثم جامعة الدول العربية جاءت متأخرة جداً، وكان من المفروض أن القرار صدر منذ سنوات وليس الآن، فمقاومته مزعومة، ومهمته لمصلحة إيران التي تقوم بتصدير الخراب للدول العربية والإسلامية.

وما يقوم به من عمليات في الدول العربية هي إرهابية بامتياز، وشبكاته الأخرى التي تموله بالمال هي بدورها تستعمل الجريمة المنظمة العابرة للحدود من تبييض الأموال وتجارة المخدرات والتهرب الضريبي وتهريب ثروات الشعوب والمتاجرة بالممنوعات وصل حد الأعضاء البشرية التي تنزع من معتقلين وأسرى لدى مليشياته في سوريا ثم تباع في الأسواق السوداء لتمويل نشاطات الحزب الإرهابية.

وفي الأخير، نؤكد أن “حزب الله” لم يدرج خليجياً أو عربياً في قائمة الإرهاب فقط، بل إن دولاً غربية سبقت بذلك، حيث إن كلاً من أمريكا وهولندا وفرنسا وكندا تعتبر الحزب بالكامل إرهابياً، في حين أن الاتحاد الأوروبي أدرج جناحه العسكري وأستراليا تلاحق منظمة الأمن الخارجي للحزب.

قرار مجلس التعاون الخليجي ثم الجامعة العربية بتصنيف “حزب الله” منظمة إرهابية هو قانوني ومشروع للغاية، وفي مصلحة الشعوب والأوطان من كل النواحي، ولذلك وجب ألا يقتصر الأمر على هذه المنظمة بل يجب أن يشمل كل المنظمات الشيعية الأخرى.

كما يجب أن تتجسد القرارات في ملاحقات حقيقية تستهدف مليشيات الحزب ومنابع تمويله، وحرمانه من أي نشاط سياسي في الدولة اللبنانية، ومنع إيران من دعم هذا التنظيم عبر التحرّك الدولي في الأمم المتحدة وغيرها.

كما أنه وجب فتح دعاوى قضائية ضد نصر الله وحزبه، وكل من يدعمه سياسياً وعسكرياً واقتصادياً وإعلامياً ودينياً، فمن يناصر جماعة إرهابية يجب أن يلاحق بتهمة الإرهاب، سواء كان دولة، رئيساً، نائباً، صحفياً، رجل دين أو أعمال.. إلخ.

المصدر: الخليج أونلاين

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: