هل سيُصاب بعضنا ثانية بغباء التصويت و الذّاكرة المثقوبة ( بقلم الأستاذ منجي باكير )

الثورة التونسيّة كانت مضرب الأمثال عالميّا من حيث عنصر المباغتة ، قِصر زمن حراكها و عدواها الإيجابيّة لباقي شعوب المنطقة فضلا عن قوّة الزلزال الذي أحدثته ،، ، ثورة – صُنعت – بالدم و بالأرواح و كثير من الإعاقات و الجراحات ، ثورة لم يكن الفضل فيها لأحد من الذين يزيّنون المنابرو البلاتوهات التلفزيّة الآن ليببيع لنا أكثرهم أحلاما ورديّة و كثيرا من الأضغاث … كان أحسنهم وقت الثورة يتابع مسارها من خلال التلفزيونات في شديد حنقٍ وكثير نقمة على هؤلاء (( الرعاع)) الذين أفسدوا عليهم لذّة التنعّم و الإستكراش تحت مظلّة الفساد و الإستبداد ، هؤلاء (( المفسدون )) الذين أوقفوا انتفاخ أرصدتهم من عرق الشّعب و حرموا أبناءهم من إدمان السفر إلى الخارج و عطّلوا حبّهم للسيطرة و تسخير خلق الله في خدمة جشعهم و عنجهيّتهم وتسلّطهم …ثورة كانت غلطة نخبتها أنّها لم تواصل المشوار إلى النهاية و لم تستوفِ مستحقّاتها و مكتسباتها و لم توفِ العهد كاملا فتركت أزلام و أذيال و سدنة النّظام المدحور – طُلقاء – حتّى كبروا و كبر طموحهم من حقّ وجودٍ و تفصّي من المتابعة و المحاكمة إلى – حقّ – العودة إلى السّلطة و إحياء المنظومة المقبورة .

جاءت الإنتخابات التشريعيّة الثانية فكانت نتائجها على عكس المعقول و خيّبت آمال الكثير من أصحاب الفكر السويّ و ممّن يخافون على هذا الوطن العزيز ،،، كانت انتخابات غلب عليها طابع تصفية الحسابات بغطاء الديمقراطيّة و حوّلت وجهة نتائجها نقمة – قد تكون في محلّها – على من استأمنهم الشعب في إدارة شؤونه و تحقيق آماله فلم يكونوا في مستوى طموحِ زادته عراقيل المشهد السياسي الأرعن و فساد بعض قيادات اتّحاد الشغل ، زائد إعلام فاسد و مأجور بُعدا عن ما كان يرومه شعب عمّه الإحباط و اليأس … إحباط و يأس انقلب إلى غباء صارخ أوصل بعضا من هذا الشّعب للإرتماء في أحضان أعلام و قوى الثورة المضادّة ، فكان النصر حليف من كان بالأمس القريب أصل عذابات هذا الشعب و شاهدا على مرارة سنوات الجمر و الضياع ..!

ومع هذا الإنتصار – المفتعل و الباهض الثمن – بدأ استحكام حلقات الإنتكاس على الثورة ، و بدأت تظهر معالم طيف المنظومة القديمة ليزيد تلاحق الأخبار المحبطة و التي تصبّ في نفس السياق تأكيدا على ضبابيّة المستقبل في ظلّ تغوّل قادم و إمكانيّة استيلاء أخطبوط قوى الردّة على كامل المشهد السياسي المرتقب …

فقط يبقى طوق نجاة واحد و وحيد يلوح في أفق – تونس الحريّة و الكرامة – هذا الطوق يبقى الإمكانيّة الوحيدة التي مازالت خيوطها بيد الشّعب ، و التي بيده أن يصنع منها نجاته أو يقطع معها لتكتمل دائرة التغوّل و التسلّط و الرجوع بالبلاد إلى العهد السّابق أو أتعس منه .

فهل سيعي الشعب و خصوصا من ارتمى غباءً المرّة السّابقة في أحضان بقايا هياكل منظومة الفساد و الإستبداد إلى – الإستفاقة – و تدارك ما فعل ، لينقذ نفسه و شعبه ؟؟؟

هل سيحافظ هؤلاء الذين صوّتوا سابقا – ضدّ أنفسهم – ضدّ كرامتهم و حريّتهم و موَطَنتهم على ذاكرتهم المثقوبة و التي نسيت عذابات و آلام الماضي ؟؟؟ أم سيستعيد كلّ الشعب ذاكرته و ينزع عنه غشاء غباء التصويت ليؤشّر في ورقة الإنتخاب فقط على خانة من خرج من رحم هذا الشّعب ، على خانة من كان من جلدتهم و من كان و لازال يحسّ آلامهم و يحلم أحلامهم ؟؟؟ أم سيصوّت هذا الشعب لمن يرعى و يحافظ على إنسانيّتهم ، يقدّس حرّيتهم و يُكبر فكرهم و يحترم عقولهم و لا يمنّيهم كذبا ولا يعدهم غرورا !؟

 

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: