هل هي نهاية الإمبراطورية الأمريكية؟ ( بقلم جنيدي طالب)

كتبت الصحفية الصاعدة في تلفزيون المتوسط السيدة نادية فارس تعليقا صحفيا تتحدث فيها عن العظمة الأمريكية وسيطرتها الإكترونية على العالم بأسره، وطلبت مني شرح الظاهرة الأمريكية الحالية بحكم معرفتي بهذا البلد وتعرضي لتاريخه السياسي والحضاري بالدرس والتحليل

وقبل الشرح، اسمحوا لي بسرد حادثة. خرجت مع صديق في جولة لبعض المدن الساحلية بولاية كاليفورنيا، وفي السيارة، مررنا بمركز ناسا الفضائي ثم بقاعدة جوية ثم بجنود يتدربون، وقبل دخولنا لمدينة لوس أنجلس بحوالي ربع ساعة رأينا على يميننا ثلاثة مفاعلات نووية، ولما وصلنا إلى ميناء سان ديغو زرنا حاملة من حاملات الطائرات التي أصبحت متحفا تزار بمعلوم بسيط. إلتفت إلى صديقي الذي يعتبر من أقدم التونسيين في الولايات المتحدة (أكثر من 40 سنة) وسألته السؤال التالي:
-هل أمريكا قوة لا تقهر؟
لم يفكر صديقي طويلا، وهو المهندس في الطيران الحربي، ليهمس لي فيقول: أمريكا لا تستطيع أن تصمد أمامالريح والمطر.
“America is unable to withstand the wind and the rain”

إن ما أقدم عليه عميل المخابرات الأمريكية السيد إيدوارد سنودن قبل بضع شهور، وقبل لجوئه إلى موسكو، من كشف لحقائق حول ضخامة وكالة المخابرات الأمريكية التي تفوق الخيال يجعلنا أمام شبكة مراقبة للعالم لم يعرف التاريخ مثلها من قبل، لا حتى في النظام السوفياتي المقبور ولا حتى في الإمبراطوريات على مدى التاريخ البشري. ليس هناك لا مكالمة هاتفية ولا بريد إلكتروني ولا صفحة على الأنترنات ولا فايسبوك ولا تويتر إلا وقد مرت على المخابرات الأمريكية للتدقيق والترجمة والشرح والفك والتحليل. فالولايات المتحدة لا تنكر أنها تتجسس على الأمم المتحدة ومجلس الأمن والقصور الرئاسية والسفارات والبعثات الدبلوماسية والجمعيات والأحزاب والجيوش وإدارات الشرطة ورجال الأعمال وحتى الأشخاص في بيوتهم. باختصار، إن ما كشف عنه إيدوارد سنودن يؤكد أن أمريكا تتجسس على الصديق وعلى العدو على حد السواء، ويحدث هذا في كل البلدان

نذكر أن الولايات المتحدة كانت في حرب باردة مع الإتحاد السوفياتي. هذه الحرب لم تسخن لدرجة الانفجار، فلو انفجرت لنسفت العالم بأسره. ونذكر أنه إلى وقت قريب كانت الصواريخ النووية السوفياتية الجاهزة موزعة في كوبا وعلى بعد 90 كلم فقط من الولايات المتحدة. وفجأة، أحدث انهيار الإتحاد السوفياتي من الداخل، وتحرر شعوب أوروبا الشرقية وسقوط جدار برلين، أحدث صدمة كبيرة للإدارة الأمريكية ونسفت مقولة الكاتب الشهير جورج أوروال الذي توقع في كتابه بعنوان “1984” عالما بقوى عظمى متعددة ليبقى التنافس والتوازن في الكون.
وبإنهيار الإتحاد السوفياتي، لم يعد لا بوش الأب ولا بوش الابن ولا أوباما في مواجهة قوة عظمى أخرى ولا في سباق تسلح ولا في حرب باردة للتأثير على الدول ونهب الخيرات، بل خلى الجو للإدارة الأمريكية للإنفراد بالقوة والتفكير في السيطرة على العالم وإعادة صياغته كما تريد

ولكن هل استفادت أمريكا من استفرادها بالقوة فحافظت على ما يشبه الإمبراطورية؟ لم يكن أحد يتوقع أن تحل قوى أخرى غير نظامية وغير معروفة وكأنها نقاط سوداء في السماء أو أشباح، محل الإتحاد السوفياتي فتحارب أمريكا في حرب كر وفر، لا نعرف مكان وجود هذه القوى ولامراكز قيادتها ولا عدد أفرادها، فتنسف مقولة العظمة الأمريكية. فلم تستطع أمريكا الصمود أمام الريح والمطر

إن المتتبع للغز الأمريكي المستفرد بالقوة يمكنه أن يقف على استنتاجين اثنين

أما الاستنتاج الأولى فهو، ومن خلال مشاهدتنا لأحداث العالم في العشرين سنة الماضية، فإننا نتيقن أن أمريكا، رغم أنها أصبحت قوة عظمى بدون منافس قوي يواجهها، فهي غير قادرة على إعادة صياغة العالم وهندسته. فعلى سبيل المثال، لم تستطع الولايات المتحدة فعل أي شيء لحل القضية الفلسطينية ولم ينتصر جيشها لا في العراق ولا في أفغانستان، ولم تسعف الشعب السوري ولم تساند الشرعية في مصر

وأما الاستنتاج الثاني فإن العجز الأمريكي في التأثير في الأحداث العالمية يدل على أن هناك قوى أخرى تتصادم مع الأفكار الأمريكية

وكما أن الماء الراكد يجلب الحشرات فإن الإنفراد بالقوة يسبب الهذيان. وحتى نستطيع فهم كيف تعاملت الإدارة الأمريكية مع العالم بعد إنفرادها بالقوة، فإننا قسمنا هذه الفترة إلى ثلاث مراحل

المرحلة الأولى من 1991 إلى 10 سبتمر 2001

هذه العشرية مثلت الصدمة الكبرى للإدارة الأمريكية، بما أنه لم يكن متوقعا أن ينهار الإتحاد السوفياتي من الداخل بتلك السهولة تاركا وراءه ترسانة نووية موجهة في أغلبها إلى الولايات المتحدة وأماكن نفوذها وتأثيرها، وجيشا قوامه الملايين، لتبقى أمريكا القوة الوحيدة العظمى. فعم وقتها صمت رهيب أروقة البيت الأبيض. وتضاربت المواقف في من يكون العدو بعد الإتحاد السوفياتي. فقائل قال صدام حسين وقائل قال الدول المارقة “Rogue States”
ومنهم من قال سوريا ومنهم من قال إيران. وكل هذه المقترحات لم تلق القبول الشعبي داخل المجتمع الأمريكي. فبقيت هذه المرحلة مرحلة صدمة بإمتياز

وللمعلومة، ففي أواخر هذه المرحلة كانت هناك في واشنطن خلية تحت مسمى التخطيط الإستراتيجي
“Think Tank”
تعد لحكومة خفية. ونجد من زعمائها ديك تشيني الذي سيصبح نائبا للرئيس الأمريكي، ودونالد رامسفيلد الذي سيصبح وزيرا للدفاع، وبول وولفوفيتز الذي سيصبح نائب وزير الدفاع، ودجون بلطون الذي سيصبح سفير الولايات المتحدة في الأمم المتحدة، وزلماي خليل زادا الذي سيصبح سفير أمريكا في أفغانستان. هذا الفريق يعتقد أن الولايات المتحدة لا يجب أن تضيع على نفسها فرصة التفرد بالعالم للسيطرة عليه وإعادة ترتيبه على الشاكلة التي تريدها أمريكا فتصبح أمريكا إمبراطورية عظمى تنسي العالم في الإمبراطورية البريطانية وحتى الرومانية. والمساعد في ذلك هي القوة الأمريكية الرادعة والمخيفة والوحيدة في غياب المنافسين

المرحلة الثانية من 11 سبتمبر 2001 إلى 2009

ساعات فقط بعد هجوم تنظيم القاعدة على برحي التجارة والبنتاغون، بدأ جورج بوش الإبن الحديث عن الحرب الشاملة على الإرهاب، وأمر المخابرات الأمريكية بتصيد عناصر تنظيم القاعدة في أكثر من 80 دولة. و صرح رامسفالد أن الهجوم على صدام، الداعم للإرهاب، لتنحيته أصبح ضرورة وصرح أن الهجوم على العراق لما سينطلق سيكون وحشيا وشاملا يطهر كل العراق، ولن تكون للجيش الأمريكي أي ضوابط ولاموانع في تنفيذ مخططه. والهدف هو السيطرة على كل منطقة الشرق الأوسط وجعلها محمية أمريكية. ولم يكن هناك أحد في الإدارة الأمريكية كان قادرا على معارضة مخطط بوش وأعوانه

وبدأ غزو العراق وتلاه غزو أفغانستان وظن المسؤولون الأمريكيون أن الحرب ستكون سهلة مثل قطعة حلوى، كما كتبت واشنطن بوست. وكان في المخطط إقامة قواعد عسكرية دائمة ستسمى لاحقا مخيمات تعتلي أبار النفط فتنتفع منها الأجيال الأمريكية القادمة. وفي المخطط أيضا أنه لما ترى سوريا وإيران هول الهجوم على العراق سيرضخان ويركعان

ولكن، لم يكن أحد في الإدارة الأمريكية يفكر أن التدخل العسكري في العراق وأفغانستان يمكن أن يفشل ويتسبب في كوارث للجيش الأمريكي وصورتها في العالم ولشعوب المنطقة. والحقيقة، أنه لم يكن من المتوقع لا في واشنطن ولا في بقية البلدان أن هناك أنواع أخرى من القوة موزعة في أماكن عدة من الأرض بإمكانها هزم أمريكا، القوة العظمى الوحيدة

فشلت أمريكا فشلا ذريعا في العراق وفي أفغانستان والتصقت صورتها بأبي غريب وغوانتنامو وبغرام والسجون السرية في العالم. وكانت هذه المرحلة مرحلة هذيان وغرور وجنون في الإدارة الأمريكية قادها بوش الإبن

المرحلة الثالثة بدأت مع أوباما ومازالت متواصلة

رغم الفشل الذريع الذي منيت به أمريكا في العراق وأفغانستان في ما يسمى حربها على الإرهاب، فإن أوباما اختار نفس طريق جورج بوش ليواصل عصر الهذيان الأمريكي الثاني

أبقت الإدارة الأمريكية مخطط السيطرة على العالم قائما ولكن ليس فقط بالاعتماد على القوة العسكرية ولكن دعمت القوة العسكرية بالتخابر والتجسس والمراقبة فيما سمي بالحرب الإلكترونية الشاملة. والهدف هو أن يصبح من المستحيل على الإنسان في أي نقطة من العالم أن يكتب أو يتكلم أو يفعل شيئا بدون علم واشنطن بذلك.

إن بناء هذه الشبكة العالمية للاستخبارات، متجاهلة في ذلك غضب الأصدقاء والحلفاء، وكذلك غير آخذة في الاعتبار تحدي من تعتبرهم الأعداء، سوف لن يحمي أمريكا بل سيزيد من استنزاف خزينتها وسيفشل مخططاتها

ونحن على أبواب سنة 2014، وأكثر من إثنى عشرسنة على هجوم الحادي عشر من سبتمبر، فإن الموقف الأمريكي يبدو لم يتزحزح. فالحرب الباردة على الإرهاب مازالت قائمة رغم أن الإدارة الأمريكية قللت من استعمال هذا الاسم. والجيش الأمريكي مازال منتشرا في الشرق الأوسط واسيا وأوروبا وينظر إلى إفريقيا بنظرة الطامع في قواعد. والطائرات الأمريكية بدون طيار تواصل اغتيالاتها لجماعات لا نعرف حقيقة هل هم أعداء لأمريكا، ولكننا نعرف بلا شك أن أكثر ما يكشف عنهم هم أبرياء

إن حلم أمريكيا في السيطرة على العالم باعتبارها القوة الوحيدة لم يتحقق. بل ما نشاهده اليوم هو أن أمريكا قادرة بالفعل على القتل وصناعة الدمار والفوضى وحالة عدم الاستقرار في البلدان. ولكنها غير قادرة على التحكم في سير الأحداث في العالم. ورئيسها لا يستطيع حتى أن يكون حلفا لإيقاف القتل في سوريا والدفع نحو إرجاع الشرعية في مصر. إن دول أمريكا الوسطى وأمريكا اللاتنية ودول الشرق الأوسط والدول الإفريقية ودول آسيا والعديد من الدول الأوروبية أصبحت تقر بضعف النظام الأمريكي. بل إن أمريكا نفسها تعاني الفوارق الاجتماعية والميز العنصري والفقر والجريمة. إن أمريكا اليوم تهددها مخاطر داخلية يمكن أن تؤدي بها إلى نفس مصير الإتحاد السوفياتي، والمشاكل التي يعانيها الشعب الأمريكي والفوارق لا ينفع معها لا الغواصات ولا حاملات الطائرات. تلك القوة الداخلية الغير نظامية هي في نفس الوقت أمريكية ولكنها تهدد أمريكا نفسها

فحرب أمريكا القادمة هي أمريكا ضد أمريكا

جنيدي طالب

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: