هل ينهي انقلاب مصر التجربة الديمقراطية و الحزبيّة؟.. (مقال/ محمد الجوادي)

قد يبدو هذا السؤال غريبا إذا ما نطق باللغة الإنجليزية أو باللغة العامية المصرية، لكنه يبدو أقل غرابة إذا ما نطق باللغة الرسمية ولا نقول اللغة الفصحى، والفرق كبير، فاللغة الرسمية لغة ثقيلة الوقع والملامح تخفي المعاني القمعية في صياغات ملتبسة لا تفتقد التهذيب وإن افتقدت المودة.

وهكذا يصبح التعبير (المتصاعد الآن في المعزوفات الانقلابية) عن الاصطفاف الوطني مساويا تماما لإلغاء الأحزاب، بل مساويا تماما لنوع أقل نبلا وحماسا وإنجازا ودافعية من أنواع الفاشية.

وعلى الرغم مما يبدو في هذا الفهم من شبهة التجني المعذور، فإنه فهم حقيقي ذو جذور تاريخية مؤثرة في الوعي، فقد شهدت مصر نفسها بعد وصول الضباط للحكم في ١٩٥٢ توجها واضحا نحو إلغاء الأحزاب، وسرعان ما تحول التوجه إلى تشريعات متوجسة أو مؤشرة (أو تأشيرية على أقل تقدير) وذلك من قبيل الحديث الزاعق وقتها عن التطهير، وهو حديث لم يتورع عن المطالبة بأن يكون الحزبيون ملائكة نورانيين على الأقل وإلا فلا داعي للحزبية، وسرعان ما تحول التوجه والتشريع إلى أمر واقع مقنن نفى الأحزاب تماما ولم يكتف بإلغائها فحسب.
واستمر ذلك الوضع المؤثم للتعددية، النافي للحزبية، المنكر للحق في الرأي الآخر، ربع قرن من الزمان (1952-1976) واستعاض العسكريون عن الحياة الحزبية بتنظيمات سياسية شوهاء آذت ٢٣ يوليو في محاور كثيرة، ولا تزال تؤذي مصر والعالم العربي بما رسبته في أعماق التجربة السياسية من شكلانية بغيضة وتزييف متصل وتبرير للأكاذيب وتشجيع للأمراض الاجتماعية الخلقية بدءا من الانتهازية ووصولا إلى كل ما يكفل تهتك النسيج الاجتماعي بتفعيل دوائر التقارير اليومية التي تستلهم التجسس على الولاء الكامل للزعيم الأوحد ضد ما تقول به كل الأديان والأعراف والتقاليد.

وقد أقرت ثورة 1952 نفسها بعجز التنظيمات السياسية الشمولية الشوهاء عن إنجاز كثير من الوظائف السياسية التي تقوم بها الأحزاب بصفة تلقائية ودون عناء (في مجالات الرقابة الشعبية والحزبية ورصد بؤر الفساد والقلق والتذمر والالتهابات الفئوية أو المحلية والمتغيرات الدولية أو الإقليمية.. إلخ) وكان البديل أن أناطت الثورة هذه المهام بأجهزة شرطية عرفت على سبيل الإجمال بأنها أجهزة الأمن السياسي وإن لم يستقر هذا التعريف تماما بحكم قلق الفكرة نفسها ومنافاتها لمنطق التقدم الحضاري والاجتماعي والفكري، وقد حاولت رسم معالمها بجدية في مجلد ضخم (طبع أكثر من مرتين) عن قادة الشرطة في السياسة المصرية.

وقد كان إطلاق حرية تكوين الأحزاب من أبرز مظاهر النجاحات الساحقة التي حققتها ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011، حتى صار هذا الحق على نحو ما يوصف به في القانون حقا مطلقا لا يتطلب إلا الإخطار، ومع أن أحدا من الذين عاشوا عصر مبارك لم يكن يتخيل أن تصل مصر إلى مثل هذا الحق بهذه السرعة، فإن الأمر الواقع فرض نفسه، وكذلك فرضت الشرعية الثورية نفسها حتى أصبح الحق الطبيعي مقننا بعدما كان مجرّما.

وقد كانت أبرز نتيجة لهذا الحق أن تمكنت جماعة الإخوان المسلمين من تأسيس حزب الحرية والعدالة، وتأثيث مقراته على نطاق واسع يتناسب مع انتشار هذه الجماعة، وانتشار هذه الدعوة، ولم يكن مفاجئا أن يقترن التأثيث والتأسيس معا، فقد كانت الجماعة وأنصارها موجودين على أرض الواقع بالفعل، ولم يكن ينقص هذا الكيان إلا هذا الوعاء الحزبي التقليدي الذي هو في الأساس حق من حقوق المجتمع على جماعاته قبل أن يكون من حقوق الجماعات على الوطن.

لكن الفهم السياسي الآخر الذي تأصل على مدى سنوات الحكم العسكري لم يكن يتصور الأمور على هذا النحو الطبيعي، وإن لم يصرح بهذا جهرا أو على نطاق واسع.

ومع أن عدد الأحزاب التي نشأت بعد ثورة 25 يناير تعدى العشرين، فإن أجهزة الثورة المضادة لم تعترف في قرارة نفسها إلا بحزب الإخوان باعتباره معبرا عن تجربة حقيقية ذات وجود وحضور وفعالية، فضلا عن أنها ذات منطق وفكرة وتاريخ.
في الوقت ذاته فإن الأجهزة المعروفة عند الجماهير على أنها أجهزة أمن الدولة كانت قد وصلت في ذلك الوقت التالي للثورة إلى أدنى منحنيات التراجع في مستويات نفوذها على مدى تاريخها، لكن هذا الموقف الجديد والمفاجئ دفع كوادرها لتبني أنماط مختلفة للتفكير في هذا الذي حدث لها، وقد وصل الأمر ببعض هذه الأنماط إلى إنكار واقع ما حدث بطرق مختلفة من الإنكار بلغت محاولة إلغاء كل ما حدث بعد الثورة للتدليل على أنه لم تكن هناك ثورة من الأساس، وهي محاولة عقلية عسيرة لكنها تحتمل الاجتهادات القصوى بل تشجعها مهما بدت متجاوزة.

ولا شك في أن قطاعا (ليس بالكبير بالطبع) من العاملين في هذه الأجهزة قد رأى فيما حدث نهاية طبيعة لمرحلة، وأن صفحة أمن الدولة قد طويت للأبد، وأن الأجدر به على المستوى الفردي أن يبدأ بنفسه ولنفسه نشاطا مهنيا (في المحاماة على سبيل المثال) أو تجاريا أو وظيفيا (في العلاقات العامة) وأن يعتبر عمله في أمن الدولة مرحلة تاريخية انتهت على خير، أو على غير خير، وله أن يتذكرها بالخير أو بغير الخير.

وكان هذا القطاع بالطبع هو القطاع الذي رزق من التوافق النفسي مساحة لم يرزقها الآخرون الذين تعددت رؤاهم إلى حد التفكير الجاد في الانتقام والتشفي، ومن ثم فإن مجموعة من الاتجاهات المتطرفة في تعاملها مع الواقع كانت كفيلة بأن تشكل شرارات انطلاق واقع جديد. وبالطبع فقد كان من أخطر هذه الاتجاهات في ذلك هو الاتجاه الذي تبنى توجه الانتقام والاستعداد للعودة.

كان هذا الاتجاه ينظر إلى أمن الدولة على أنه أحد الملاك الرئيسيين لمصر بصرف النظر عن شركاء الملكية الآخرين، ومن الطريف أنه في مناقشاته لم يكن يشغل باله بشركائه في الملكية وتحديد هؤلاء وتحديد أنصبتهم، وإنما كان ما يعنيه هو الحفاظ على مكتسباته المادية والمعنوية مهما كان حظ الشركاء الآخرين.

ومع أن الحفاظ على المكتسبات المادية لم يكن كفيلا بإحداث قدر كبير من الفتنة التي حدثت على أيدي هؤلاء المتمسكين بالماضي القريب، فإنه لم يكن من الممكن في نظرهم أن يتم هذا الهدف المادي بمفرده تماما أي من دون اقتران الحصول عليه بالحفاظ على المكانة المعنوية المتولدة بالطبع من مكانة وظيفية استباقية تتيح الحصول على كل ما هو مطلوب بمبررات قانونية وسياسية ترتبط ولو في الظاهر بالأمن السياسي وأمن الدولة.

وهكذا تحول الأمر (عند هذه المجموعة) من رغبة مشروعة في الحصول على مكاسب مادية مشروعة إلى رغبة أعمق وأعرض في الاحتفاظ بوضع استثنائي كان يتيح الحصول على هذه المكاسب المادية ويجعلها تعويضا عن جهد مبذول في حماية النظام القائم -أو بلفظ أدق- الذي كان قائما.

وقد نوقش هذا الأمر على نطاق واسع في الصالونات المتعلقة بمواقع الحكم والنفوذ، ووجه إلي السؤال كثيرا عن الحل التاريخي لمثل هذه المشكلة، فكنت أشير إلى سياسة منح الاقطاعيات الكبيرة كمقابل لنهاية الخدمة، وذلك مقابل إبعاد الأمنيين المحترفين عن صراع السلطة في حقبة بدا بوضوح أنها مقبلة وبإلحاح خارجي على انقلاب عسكري غير مكتمل الأركان.

وكان الأمر العجيب أن المصريين المحدثين الذين تعودوا على أن يتم كل شيء في إطار الاستثناء المتكرر فضلوا الأساليب الاستثنائية على الأساليب الطبيعية، بل فضلوا أن يكون الحصول على مزايا مادية مقترنا بمواصلة الإفساد السياسي أو التورط في اللعب السياسي الأمني، على أن تكون هذه المزايا بديلا معقولا في مقابل الكف النهائي عن الإفساد السياسي بالألعاب التقليدية التي من المفترض أن ينتهي دورها بعد ثروة شعبية.
وكانت هذه آية من آيات التلوث الخلقي الذي انتشر على نطاق واسع بين ممارسي السياسة وهواتها، وليس سرا أن أغلب أعضاء جماعة الإخوان المسلمين نفسها كانوا يناقشونني من منطلق غريب عليهم وهو ضرورة احترامهم لاعتقاد المجتمع السياسي في أن أمن الدولة ضرورة وطنية، ولم يكن هؤلاء من باب الطرافة يدركون أنه موجود لمحاربتهم هم فقط وليس لشيء آخر.

لكنهم كانوا بحسن نية يظنون أن أمن الدولة مفهوم أوسع من مفهوم النشاط الديني، ولم يكونوا يعرفون أن الوظيفة الكبرى للمعدة هي الهضم وليس إلا الهضم، وأن معدة الإنسان إذا قادت إلى التجشؤ فهي مريضة وليست كما هي في بعض الثدييات المتعددة الوظائف.

تطورت الأمور على نحو ما نعرف جميعا من قبول حكم الإخوان لوجود أمن الدولة وتعايشهم معه، ثم لنفوذ أمن الدولة، ثم لمناورات أمن الدولة على الإخوان، وهو ما انتهى في النهاية إلى ما يمكن تسميته تهذيبا بلعب أمن الدولة بالإخوان وحكومتهم، وهو المقابل الموضوعي لما يقوله آخرون من تآمر أمن الدولة، أو لما يقوله من هم أكثر صراحة: عودة أمن الدولة على حساب القضاء على الإخوان أنفسهم ومكانتهم التي وصلوا إليها بالصندوق، وهو ما يعادل إلغاء إرادة الشعب والجماهير وإلغاء الديمقراطية.

ولم يكن هذا التطور في آليات اللعب ولا خطواته بعيدا عن إدراك التاريخ ولا عن بصره ولا عن فهمه ولا عن أحداثه المعروفة من قبل في مصر وفي غير مصر، وفي الماضي القريب أو البعيد، لكن الثقافة السياسية والتاريخية لكل من يمارسون السياسة في مصر حتى وقوع انقلاب 2013 كانت في أضعف مستوياتها، حتى إنها -بلا مبالغة ولا تجن- كانت في حاجة إلى حدوث الانقلاب العسكري حتى يدرك هؤلاء طبائع الأمور وحقيقتها، وحتى يتغلبوا على درجات متعددة من عدم المعرفة بطبائع الأمور في السياسة والحكم.

وبعد عام وشهور من الانقلاب بدأ السياسيون يستمعون إلى همس أمني يتبنى الاصطفاف أو المطالبة بإلغاء الحياة الحزبية وليس بحل أكبر حزب فقط، كما أن الأجهزة الانقلابية باتت تريد أن تظهر سطوتها على نحو سافر، وهي تحاول أن تتحسس بمثل هذا اللغط عناصر التواطؤ الدولي وحدود قدرته على التدخل في هذه الأمور، وقد فاتها أن هذه الدول لا تشغل بالها بأمن الدولة المصرية، وإنما بأثر هذا الأمن على الدول المجاورة.

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: