هموم العمّال العرب في عيدهم.. (مقال/ الكاتب و الصحفي المصري عبد الحافظ الصاوي)

يأتي الاحتفال السنوي بعيد العمال لعام 2015 وعمال المنطقة العربية يعيشون حالة لا يحسدون عليها، فما بين مشرد و عاطل، أو ساكت لا يستطيع أن يطالب بحقوقه، أو فاقد للثقة في مؤسسته العمالية التي باعت مصالح العمال في إطار مكاسب سياسية ضيقة لصالح القيادات العمالية.

حتى أن الاحتفالات العربية بعيد العمال باتت باهتة، لا يشعر بها المجتمع، ولم تعد تثير الفضول لتعرّف غير العمال على المناسبة ومضمونها، فالاحتفالات تتم في قاعات مغلقة، ويحضرها أصحاب الياقات البيضاء، في الوقت الذي يشقى فيه العمال في ضروب العمل المختلفة.

ويضم العالم العربي 126 مليون عامل، يمثلون نسبة 36% من إجمالي السكان البالغ 361 مليون نسمة في عام 2012، ويستحوذ قطاع الخدمات على النصيب الأكبر من العمال العرب بنحو 77.3 مليون عامل، يليه قطاع الزراعة بنحو 27.3 مليون عامل، ثم قطاع الصناعة بأقل عدد من العمالة العربية بنحو 21.1 مليون عامل.
وتعيش المنطقة العربية حالة من الاضطرابات تجعل العمال في نحو سبع دول عربية (ليبيا، سوريا، اليمن، العراق، مصر، الصومال، فلسطين) يعانون العديد من المشكلات، حيث يفتقدون إلى أبسط مقومات العيش أو حلم فرصة عمل مستقرة ودائمة.

[ads2]

وإن كان العمال في باقي الدول العربية لا يعانون مثل أقرانهم في البلدان السابقة، إلا أنهم يفتقدون أيضا إلى مناخ العمل اللائق، فضلا عن البطالة ومنافسة العمالة الآسيوية لهم، حتى في تلك البلدان العربية التي تعد مصدرة للعمالة. وثمة مجموعة من الهموم يحياها العمال العرب في ذكرى عيدهم، نشير إلى بعض في هذا المقال.

غياب العمل اللائق

تذهب دراسة خاصة بمنظمة العمل العربية إلى أن المنطقة العربية قد بذلت جهدا في إطار مفهوم العمل اللائق، إلا إن الدراسة رصدت أن عقود العمل التي تبرم في دول المنطقة تتضمن قيودا على حركة العمال، وتفرض عليهم أنواعا من العزلة وتحول دون حريتهم في تنظيم أنفسهم اجتماعيا.

وإذا كانت الدراسات فيما قبل ثورات الربيع العربي تؤكد على غياب الحماية الاجتماعية (غياب التأمين الصحي والاجتماعي وفقدان وسائل الأمن الصناعي) للعاملين بالقطاع غير المنظم، سواء في النشاط الزراعي أو العمالة الحرفية، أو بعض أنشطة القطاع الخاص، فإن الأمر بعد تلك الثورات، قد شهد تدهورا أكبر، وبخاصة بعد أن انتهت هذه الثورات بالفشل.

ومما يكرس لضياع بيئة العمل اللائق ما يصدر من قوانين وتشريعات تؤسس لعقوبات تهدر حقوقا مصدقا عليها عالميا، ومنها الحق في الإضراب، وأحدث هذه التشريعات ما صدر في مصر يوم الثلاثاء 28 أبريل/نيسان 2015، من المحكمة الإدارية العليا باعتبار عقوبة الإحالة للمعاش مشروعة ضد العمال الذين ينظمون إضرابا في أماكن العمل.

فقدان التدريب
يعد التدريب أحد القواعد المهمة والمسلم بها في تطوير كفاءة العامل، ولكن في إطار البيانات المنشورة عن إنتاجية العامل العربي نجد أنها متدنية بسبب غياب ثقافة التدريب لدى العامل ورب العمل على السواء، ولا تشترط الحكومات العربية على أرباب العمل القيام ببرامج تدريبية.
فبيانات التقرير الاقتصادي العربي الموحد لعام 2014، توضح أن نصيب العامل العربي من الناتج الصناعي 3.7 آلاف دولار في العام، أي أن النصيب اليوم للعامل بحدود 15 دولارا فقط لا غير، مع الأخذ في الاعتبار أن هذا المتوسط يتضمن الناتج الصناعي بما فيه الصناعات الاستخراجية، وهو ما يرفع من قيمة مساهمة العامل العربي في الناتج الصناعي.

ومما يزيد من معدلات البطالة في العالم العربي غيابُ الإنفاق على إعادة التأهيل أو تدريب الداخلين الجدد لسوق العمل، فضلا عن أن ثقافة التدريب لدى قطاع عريض في العالم العربي تقتصر على التدريب لمرة واحدة، من أجل الحصول على فرصة عمل.

البطالة
معدل البطالة في العالم العربي من المعدلات التي تشهد تزايدا مستمرا على الرغم من الوفورات المالية التي تتمتع بها المنطقة على مدار السنوات الماضية، بل ثمة مفارقة مهمة في هذا الصدد، وهي أنه في ظل ارتفاع الوفورات المالية بالمنطقة كانت معدلات البطالة في تزايد.

ويصل المعدل الإجمالي للبطالة بالمنطقة العربية إلى 17% من إجمالي قوة العمل، وهو ثلاثة أضعاف المعدل العالمي. وحسب تقديرات منظمة العمل العربية، فإن الشباب دون سن الثلاثين عاما تفوق معدلات البطالة بينهم على نسبة 30%، وهي الدلالة الخطيرة التي تفسر اتساع ظاهرة رغبة الشباب العربي في الهجرة.
ولم تفلح دعاوى المشروعات الصغيرة أو المتناهية الصغر التي تبنتها الحكومات العربية في إطار برامج المعونة الأجنبية في الحد من ارتفاع معدلات البطالة لاعتبارات كثيرة، على رأسها أن هذه البرامج ركزت على صرف هذه الأموال دون وجود إستراتيجية لتحقيق الهدف من التمويل.

مزاحمة العمالة الأجنبية
تعاني العمالة العربية من منافسة العمالة الأجنبية، فبعد أن كانت هذه المنافسة قاصرة على دول الخليج، امتدت هذه الظاهرة إلى بلدان كانت تعد من الدول المصدرة للعمالة مثل مصر ودول أخرى.
ولم تعد المنافسة قاصرة على وظائف الإدارة العليا أو المتوسطة، ولكنها انتقلت إلى مستوى العمالة على خطوط الإنتاج تحت مزاعم انخفاض الأجر والقبول بساعات عمل أكبر، وقبول العمالة الأجنبية بالسكن الجماعي، وغير ذلك مما يعد انتقاصا من حقوق العامل بغض النظر عن انتمائه العرقي.
بل في بعض البلدان العربية أتت العمالة الصينية خارج نطاق العمل المؤسسي، وأصبح هؤلاء الصينيون يمارسون أعمال بيع التجزئة ومزاولة بعض الحرف البسيطة، مما يعد مزاحمة للعمالة العربية حتى في إطار القطاع غير المنظم، وتعد ظاهرة انتشار العمالة الصينية واحدة من الظواهر التي تشهدها معظم البلدان العربية.
وتفوقت العمالة الآسيوية منذ فترة من حيث العدد على العمالة العربية الوافدة في منطقة الخليج التي تعد أكبر الدول المستقبلة للعمالة، فبعض التقديرات تذهب إلى أن العمالة الآسيوية تصل إلى نحو 11 مليون عامل بدول الخليج مقابل ثمانية ملايين عربي.

التوظيف السياسي للحركة العمالية
في معظم المنظمات العمالية بالمنطقة العربية، يتم تدجين القيادات العمالية وإغراؤهم بالمناصب البرلمانية أو الإدارية، وهو ما أدى إلى ثراء بعض القيادات العمالية بصورة لا تتناسب ومتوسطات دخولهم، فلم تتحرك مؤسسة عمالية واحدة في معظم الدول العربية من أجل قضايا ومشكلات العمال.

ومما أفقد العمال الثقة في النقابات العمالية سيطرة الحكومات العربية على انتخابات هذه النقابات وحرصها على صعود أفراد بعينهم يدينون بالولاء للحكومات. وقد خفت صوت الحركات العمالية بعد فشل الثورات العربية، حيث كان العمال العرب يأملون في تحسن أحوالهم المعيشية وظروف عملهم إبان التغير الذي حدث تجاه النظم الديكتاتورية السابقة.
وحتى على المستوى الإقليمي، فإن اتحاد العمال العرب ناله ما نال مؤسسات العمل العربي المشترك من تحوله إلى منصة للحكومات العربية، ولا يعنيه سوى انعقاد مؤتمراته وجلساته الدورية، ولم يلمس له دور مثلا على صعيد توجيه موازنات الحكومات العربية لصالح القضايا العمالية، أو مواجهة برامج الخصخصة التي تم من خلالها خصخصة معظم الشركات العامة بالدول العربية.
كما لم تفلح الحركات العمالية العربية في تأسيس أحزاب سياسية تخص العمال يمكن من خلالها المنافسة في التداول السلمي للسلطة.

وفي الختام، إذا كان شعار ماركس “يا عمال العالم اتحدوا”، والذي تتبناه الحركات العمالية في عيد العمال، فإن العمال العرب لا يجدون من يعمل على وحدتهم، على مستوى أبسط المصالح الاقتصادية والاجتماعية التي يفتقدها هؤلاء العمال، فضلا عن المكاسب السياسية وتولي السلطة.

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: