هنيئا لكم الوحدة الوطنية الصماء ( بقلم الدكتور محمد ضيف الله)

هنيئا لكم الوحدة الوطنية الصماء ( بقلم الدكتور محمد ضيف الله)

لعل أهم ما حدث في 6 جوان ليس القمع ولا انتهاك فصول الدستور الضامن للحريات ومن بينها حرية التظاهر، وإنما هو اتحاد الأحزاب السياسية في موقفها. وأخيرا الوحدة الوطنية في أجلى مظاهرها، “الوحدة القومية الصماء” كما كان يتكلم عنها بورقيبة. كانت الأحزاب تختلف حول كل شيء، تختلف حتى في إطار التوافقات حول أعظم الأمور بطبيعة الحال، وحول أتفهها. اليوم اتحدت جميعها (باستثناء الجمهوري)، لا فرق بين الأحزاب الفائزة والأحزاب الخاسرة في الانتخابات أو بين أحزاب الحكومة وأحزاب المعارضة، اتحدت حركة نداء تونس مع حركة النهضة مع حزب سليم الرياحي مع آفاق تونس مع الجبهة الشعبية بمكوناتها جميعا من حزب العمال إلى الوطد الموحد، اتحدت الأحزاب التي كانت حاكمة سابقا مع الأحزاب التي كانت معارضة سابقا، مع الأحزاب التي لم تكن هذا ولا ذاك لا سابقا ولا حاليا، اتحدت الأحزاب الموجودة في البرلمان والموجودة في المقاهي وفي صالونات التاي…

[ads1]

لا ليس هذا فقط وإنما اكتملت الوحدة الوطنية بانضمام الرباعي الراعي للحوار الوطني من اتحاد الشغل إلى اتحاد الأعراف وما بينهما من رابطة حقوق الإنسان وهيئة المحامين، زائد نقابة القضاة ونقابة الصحافيين ونقابة مديري الصحف وصولا إلى نقابة البوليس الحريصة على الأمن الجمهوري الخ الخ… كلها اتفقت أو توافقت. كما لو أنها تحت قيادة واحدة أو تلقت نفس الأمر الصادر من جهة واحدة.

اتحدت كل تلك المكونات، السياسية والمدنية، حتى لا تصدر موقفا، يُحسب مزايدة من بعضها على البعض الآخر، أو يورط بعضها في أعين البعض الآخر، أو يحرج بعضها أمام البعض الآخر، أو يمكّن بعضها من تسجيل نقاط على حساب البعض الآخر. فبحيث اعتبر القمع الذي حدث في 6 جوان كما لو أنه لم يحدث، أو كما لو أنه حدث في سنة أخرى غير هذه أو في مكان آخر بعيد جدا جدا عن أعينهم وعن أسماعهم، وليس في أكبر شارع في الجمهورية التونسية وفي رابعة النهار.

اتفقوا جميعا في يوم واحد ولأول مرة، على نفس الموقف كما لو أن المتظاهرين طالبوا بغير الشفافية بخصوص الثروات الوطنية وفتح ملفات الفساد. أو كما لو أن منع التظاهر -وباستعمال العنف أيضا- لا يتناقض أو لا يمسّ من مكاسب الثورة التي طالما تغنوا بها أو لا ينتهك من فصول الدستور الجديد التي توافقوا عليها وصفقوا لها. اتفقت تلك الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني تلك وغيرها كما لو أنها تتصور أن ما حدث هو “حدّ الباس” ولن تكون له تبعاته أو نتائجه المباشرة وغير المباشرة، لا بين صفوف الشبان الذين وقع الاعتداء عليهم في أجسادهم وفي كرامتهم، ولا في صفوف البوليس الذي قد يشعر بالزهو وهو يحقق أول “انتصار” له في الشارع. وحينئذ لا يضيرهم أن يقدموا التهاني لبوليسهم المنتصر على الشارع، حتى وإن كان ذلك إلى حين. وهنيئا لهم وحدتهم القومية الصماء.

محمد ضيف الله

7 جوان 2015

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: