هوى النفس : دراسة قرآنية

إن المتأمل لكتاب الله تعالى يجد أن القرآن الكريم قد حذر من هوى النفس أيما تحذير, فنهى عن اتباعه, وبين خطورته على الفرد والمجتمع, حيث أن اتباعه في غير طاعة الله تعالى خطر عظيم, وآفة تتطلب اليقظة والحذر والانتباه.

إن مرتكز الهوى هو النفس, فإذا تمكن الهوى من النفس فإنه يصقلها بما تهوى, ويجعل الشهوة قائدها إلى كل شر ورذيلة, وينهاها عن كل خير وفضيلة, فهوى النفس يبرر للشخصية المريضة المنكر, ويزين لها الباطل, ويقلب لها الأمور لترى المعروف منكرا والمنكر معروفا, فالمشرع لصاحب الهوى نفسه, فهي الآمرة الناهية.

وقد تناول الباحث هوى النفس في هذه الدراسة بتمهيد وخمسة مطالب وخاتمة, عالج في المطلب الأول أسباب اتباع هوى النفس, وفي الثاني صفات أهل الهوى, وفي الثالث عاقبة اتباع الهوى, وفي الرابع سبل الحماية من الهوى, وفي الخامس نموذج لمتبعي الهوى, وأهم النتائج في الخاتمة.

فالهوى في القرآن الكريم هو ميل النفس إلى شهواتها مخالفة بذلك داعي الشرع, وقد جاء الهوى في القرآن الكريم في معرض الذم, باستثناء موضع واحد قد يفهم منه أن هوى النفس قد يوافق الحق, وذلك في قوله تعالى: {فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} القصص/50

وبعد تعريف الهوى لغة واصطلاحا بدأ الباحث بأسباب اتباع الهوى في القرآن الكريم, وقد أجملها في ثمان أسباب من أهمها: ضعف المعرفة بالله تعالى, واتباع وساوس الشيطان, وحب النفس وتلبية رغبات الجسد, والغفلة عن ذكر الله و الغفلة عن البعث والنشور, والجهل والتقليد الأعمى.

وأما صفات أهل الهوى في القرآن الكريم, فقد ذكرها الباحث في المطلب الثاني, معتبرا أن المتصف بها صاحب نفسية مريضة متخبطة, بعيدة عن الفطرة الإنسانية السليمة, وأهم هذه الصفات: الإفساد في الأرض, والتكذيب والتزوير ومجانبة الحق, والنفاق والظلم والضلال, والاستكبار والقتل الذي اتصفت به اليهود كأمة تعتبر من أكثر الأمم اتباعا لهوى النفس, كما أن الفتنة والخداع, والحيرة والتخبط من أهم صفات هوى النفس في القرآن الكريم.

ولا شك أن عاقبة اتباع الهوى خطيرة, حذر منها القرآن الكريم, وذكر الباحث أهم هذه العواقب ومنها: العذاب الأليم يوم القيامة, واستحقاق سخط الله تعالى والحرمان من النصر, والختم على القلب والسمع, والغشاوة على البصر, والحرمان من هداية الله تعالى, والهلاك والشقاء والذل والهوان, بل وفساد نظام الكون الذي أقامه الله تعالى, قال تعالى: {ولو اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ} المؤمنون/71

وبعد هذا التطواف في تعريف الهوى وأسباب اتبع الهوى في القرآن الكريم, وصفات أهل الهوى وعاقبتهم, وصل بنا الباحث إلى النقطة الأهم في دراسته, ألا وهي سبل الحماية النفس من الهوى, والتي أجملها الباحث في:

1- العلم الذي يكبح جماح الشهوة ويدفع هوى النفس, فلا يتبع الهوى إلا من فقد بصيرة العلم ونوره, قال تعالى: {أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ} محمد /14

2- الاستقامة على شرع الله: فلا يجد الشيطان سبيلا إلى نفوسهم لإغوائهم باتباع أهوائه.

3- الصبر ومجاهدة النفس.

4- ملازمة الذاكرين والعابدين.

5- مفارقة مجالس أهل الأهواء, و قد ذكر الله تعالى هذه السبل الثلاث للوقاية والحماية من الهوى في آية واحدة, قال تعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} الكهف/28.

6- تخويف النفس من الله فلا يعصيه, من خلال منع النفس عن هواها, قال تعالى: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} النازعات/40

7- تحكيم شرع الله تعالى الذي يحقق العدل على الصعيد الفردي والمجتمعي, فيدفع بذلك الهوى عن النفوس.

8- تذكر ما أعد الله تعالى من الثواب لمن نهى النفس عن الهوى, واستحضار عاقبة اتباع الهوى, وأخذ العبرة من مصارع الأمم التي اتبعت أهواءها.

9- ولعل أعظم طرق الوقاية والحماية من اتباع الهوى الدعوة إلى الله تعالى, واللجوء إليه سبحانه والتعوذ من الشيطان الرجيم.

ثم عرض الباحث في المطلب الخامس والأخير نموذجا لمتبعي الهوى, والصور المتعددة التي عرضها القرآن الكريم لمتبعي الهوى, ترغيبا بالابتعاد عن طريقهم ونهجهم, وترهيبا مما آل إليه حالهم, كقصة بلعام بن باعوراء الواردة في قوله تعالى: {اتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} الأعراف/175

وفي الختام ذكر الباحث أهم نتائج الدراسة ومنها:

1- الهوى داء خطير ووباله عظيم, وهو أساس كل رذيلة, ومنشأ كل فساد.

2- أسباب اتباع الهوى متعددة وقد عرض القرآن الكريم أهمها.

3- أصحاب الأهواء يحملون في جنباتهم نفسية مريضة, وأخلاقا ذميمة تنذر بشر مستطير, حذر القرآن منه أيما تحذير.

4- نظرا لخطورة هوى النفس فإن طرق الوقاية والعلاج منه كثيرة في القرآن الكريم.

5- إن كل مفسد وضال هو صاحب هوى.

6- لا فائدة من العلم إذا كان المرء حاملا للعلم ولا يعمل به.        

محسن الخالدي

13806_201996689924924_124620931_n

 

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: