“هيبة الدولة عند ساسة تونس ” … بقلم الناشط السياسي شهيد بن الحاج

 

لقد شاع استعمال كلمة هيبة الدولة في تونس من قبل السياسيين عقب الثورة التونسية و ما تبعها من اضطراب أمني و اداري عام في البلاد وما وقع من أحداث ي المجتمع بسبب فائض الحرية المفرط     اللا منضبط الذي جرأ بعض من الناس على الدولة و أجهزتها…ثم استعملها السياسيون المعارضون لحكم الترويكا باعتبار أن وزراءها و الرئيس السابق المنصف المرزوقي لا يجسّدون هيبة الدولة بشخصيتهم و تصريحاتهم و مواقفهم….
و الحال أنّ هيبة الدولة في تونس لا يمارسها السياسيون في تونس الاّ ظلما و جورا على النّاس أما كهيبة حقيقة للدولة و من ورائها الشعب فتكاد تكون معدومة بل معكوسة..
أبدأ مؤخّرا من تصريح لوزير الصناعة و الطاقة المغادر كمال بن ناصر من أنّه على الشعب التونسي الكف عن المطلبية في قطاع النفط و الغاز و الكف عن الضغط تجاه هذا الموضوع و يحذّرهم باعتبار أنّ هناك شركات هدّدت بالمغادرة من تونس…هذا التصريح صادم و يثير الريبة و الشكّ؟؟ هل هذا وزير لدى الشعب أم لدى الشركات العاملة في قطاع القطاع؟؟ و كيف لوزير أن يصرّح هكذا تصريح و فرضا أنّ المسألة صحيح كيف يعقل أن يصرّح بهكذا تصريح علني؟؟ كيف سيجلس في المستقبل مع مدراء و رؤساء هذه الشركات للتفاوض؟؟ أي موقع له و للدولة في عيونهم و هو من تصريح بائن أنه مرتعد من مغادرة الشركات؟؟ و هل النفط “صابة” طماطم أو عنب نخشى عليها من الفساد و التعفّن لو غادرت هذه الشركات؟؟ أي موقع وضع فيه نفسه و الدولة و البلاد في عيون الآخر و هي الشركات و لعلّ هذا الآخر عندنا هو نفسه الوزير على أرض الواقع.. فعن أي هيبة يتكلم هؤلاء؟؟
عودة سريعة قليلا إلى الوراء إلى رئيس وزرائه المهدي جمعة كيف أنه منذ أيامه الأولى لاستلامه الوزارة الأولى خرج في جولة عالمية لجمع المال و للقيام بالتمسح على أعتاب الشرق و الغرب مقابل دراهم معدودة و شروط مجحفة و لقد كان فيه الجميع من الزاهدين…أي صورة للدولة في عيون دول العالم سترتسم و الحال أن أبسط الناس يعتبر امتهان طلب المال ذلّا و هوانا هذا من فرد و بمقياس الفرد ما بالك من قبل الدول في نظام عالمي رأسمالي متوحش و ها هي  آخر صورة له و لحكومته تغادرنا و هم يقترضون لنا الديون بفوائض مرعبة على غرار قرض المليار دولار الأخير..فعن أي هيبة يتحدث هؤلاء؟؟؟
أي هيبة للدولة  بعد الثورة و نواب الشعب المنتخبين لكتابة دستور يجلسون أمام أجانب و هم يتردون السماعات لترجمة كلماتهم حول الدستور و القانون و يدونون هؤلاء النواب الملاحظات على كراريسهم كالتلاميذ…أي نعم …ثم يحدثونك عن 3 آلاف سنة في الحضارة و عن أوّل دستور و عن و عن و هم يستمعون لدروس حول الدستور البرتغالي و يحتار المرء حينها من أعرق في التاريخ البرتغال أم تونس و من أثّر في تاريخ من.. يوم كانت البرتغال جزء من الأندلس..
فعن أي هيبة للدولة يحدّثنا هؤلاء؟؟؟

عن أيّ هيبة للدولة يتحدثون و الرئيس الجديد للبلاد بالكاد يصوغ جملة صحيح فتارة يختصر الكلام في القصر في احتفالات رسمية بكلمة “برا ربي يعينكم” و طورا يعجز عن إكمال الخطاب في المؤتمر الأخير لدول الاتحاد الإفريقي فضلا عن فلتات لسانه الكثيرة سابقا…أي هيبة له و للدولة في عيون الآخر و هو في عيون أبناء بلده بل في أقرب المحيطين منه لا يعدو كونه صورة أدت دورها في الانتخابات و تؤدي دورها الآن في حجب من يحكم وراءها..
فبحيث لا هيبة للدولة قطعا…

بل حتى فيما سبق يتصوّر البعض أن لنا هيبة و الحال أن المخلوع زين العابدين بن علي ظل على قائمة الانتظار في البيت الأبيض لملاقاة جورج بوش الابن ما يقارب ال4 سنوات و حين قابله أمام الصحافة سأله صحفي و أظنه متعمدا ( من باب اهانة الضيف) حول مشروع قانون مقترح حول الشواذ جنسيا و حالهم في أمريكا و أطنب الرئيس الأمريكي في الجواب متجاهلا ذلك الذي بجانبه…و المفترض أنه رئيس للدولة التونسية.
قطعا لا هيبة حقيقية للدولة في تونس لأنّ حكامها المتعاقبين يعانون أولا من انضباع و تبعية للأجنبي و يرونه سيدا لهم و قائدا و موجها فلا يمكن أن يكونوا أمامه بهيبة و ثانيا لأنّهم فاقدون لكلّ معاني السيادة و المروءة و  الرجولة و هم حالات منبتة عن سياق الناس الطبيعي.
هيبة الدولة لا تظهر في تونس من قبل السياسيين الاّ في تهديد سائقي الحافلات أو في متساكني قرية يطالبون بتزيدهم بالماء الصالح للشراب أو في محتجين على غلاء المعيشة و الأسعار أو أمام أبناء بلدهم المطالبين بالتحرّر من الاستعمار أو في بيوت الله مع أئمة الجمعة بل نعم لقد كانت مع الخمار.. حين نزل عناصر الأمن يجمعون حقائب مدرسية من الأسواق لوجود صورة فلّة عليها و هي ترتدي خمار..
فأي هيبة لدولة بنيت  على عين بصيرة من الاستعمار و قادها رجاله منذ أيامها الأولى…

الإشكال في تونس أن الناس في قرارة أنفسهم لا تعتبر الدولة دولتهم و إن كان الناس يعتبرون البلد بلدهم فالناس مع أي انفلات أو فوضى يتجاوزونها بقوة بل حتى في حالات الاستقرار همهم الأساسي التحايل عليها و الهروب منها ابتداء بالضرائب و الكنام و السيناس اس والتجارة الموازية و كل القوانين العامة و الخاصة…
لأن الدولة ليست نابعة مما استقر فالناس من مفاهيم و مقاييس و قناعات بل هي في عيونهم أداة جبر و قهر و نظام في نفس الوقت و لكنه قطعا جائر ما داموا يسعون حثيثا لتجاوزه بدل الالتجاء إليه ..
فبورقيبة في خطابه حين إعلان الجمهورية سنة 1957 قال حول الجمهورية بفتح الجيم كما نطقها هي أنّ الشعب ستدبّر أمره بيده  و “هو الكل في الكل” و لكن تبيّن أن الشعب يدبّر له كل يوم و أن حكامه لا يعدون كونهم منفذين لتدبير ذلك الآخر القابع وراء البحار و أداة التنفيذ و للأسف كانت دولة بلا هيبة..

بقلم شهيد بن الحاج – ناشط سياسي في صفوف حزب التحرير –

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: