واتقوا يوما ترجعون فيه ..

فإني قد أحببت أن أكتب عن لحظة واحدة فقط في حياة كل منا وهي التي سينتقل بعدها من جوار البشر الى جوار رب البشر ويا لها من لحظة لقاء بعد حياة..
فكل منا عاش حياته طويلة كانت أم قصيرة انتظارا لتلك اللحظة واستعدادا لها ، فمن غفل قلبه  عن ذكرها ساعة فسد حاله ، وقد تعامل الإسلام معنا على هذا الأساس فأكد في أكثر من آية على حقيقة الموت وحتميته :

” إنك ميت وإنهم ميتون ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون ”
” وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإين مت فهم الخالدون” ” كل نفس ذائقة الموت ” .
” كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحيوة الدنيا إلا متاع الغرور ”
” قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ”
فياإلهي حتى رسول الله حبيب الله كتب عليه الموت (إذا الموت ليس شيئا سيئا) وحتى عندما خيره الله بين أن يموت أو أن يخلد في الأرض اختار المصطفى الموت والانتقال الى الرفيق الأعلى في جوار الله .

ثم بعد أن بين لنا الاسلام أن الموت حقيقة واقعة على كل الخلائق وأنه لا مفر منها أرشدنا الى كيفية التعامل مع تلك الحقيقة على ثلاث مراحل :
1- المرحلة الأولى :قبل الموت
وهي أهم المراحل والتي سيترتب عليها المرحلتان الأخريتان
وهذه المرحلة تبدأ مع بلوغ الإنسان سن التكليف فمع كل عمل كلف الله به الإنسان ربطه مباشرة بالموت والدار الآخرة ووضح لنا العقوبات المترتبة على عدم فعل هذه الأعمال ، فكما في الاثر أن الميت إذا وضع من قبره ليسمع خفق نعالهم حين يولون عنه، فإن كان مؤمنا كانت الصلاة عند رأسه، وكان الصيام عن يمينه، وكانت الزكاة عن يساره، وكان فعل الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف والإحسان إلى الناس عند رجليه، فيؤتى من قبل رأسه فتقول الصلاة ما قبلي مدخل، ثم يؤتى عن يمينه فيقول الصيام ما قبلي مدخل، ثم يؤتى عن يساره فتقول الزكاة ما قبلي مدخل، ثم يؤتى من قبل رجليه فيقول فعل الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف إلى الناس ما قبلي مدخل.
” خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا ”

2-المرحلة الثانية :عند الموت
وهي كما فلنا أنها مترتبة على ما قبلها فإن كان الإنسان من أهل التوحيد ثبته الله “يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللّهُ مَا يَشَاء”
وأهل الاستقامة(إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ)
وجاء مثل هذا في حديث النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال :  ” إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه, كأن وجوههم الشمس ومعهم كفن من أكفان الجنة وحنوط من حنوط الجنة, حتى يجلسوا منه مد البصر, ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الطيبة – وفي رواية المطمئنة – اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان,
قال: فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من السقاء, فيأخذها – وفي رواية: حتى إذا خرجت روحه صلى عليه كل ملك بين السماء والأرض وكل ملك في السماء, وفتحت له أبواب السماء, ليس من أهل باب إلا وهم يدعون الله أن يعرج بروحه من قبلهم – فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن, وفي ذلك الحنوط – فذلك قوله تعالى: }توفته رسلنا وهم لا يفرطون{ [الانعام :61] ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض الحديث رواه مسلم
و روي عن أم المؤمنين عائشة أيضا في تفسيره أنها قالت إذا أراد الله بعبد خيرا قيض به قبل موته بعام ملكا فسدده و وقفه حتى يقول الناس : مات فلان خير ما كان فإذا أحضر و رأى ثوابه تهوع نفسه أو قال تهوعت نفسه فذلك حين أحب لقاء الله و أحب الله لقاءه و إذا أراد الله بعبده شرا قيض له قبل موته بعام شيطانا فأضله و فتنه حتى يقول الناس مات فلان شر ما كان فإذا أحضر و رأى ما ينزل به من العذاب تبلغ نفسه فذلك حين يكره لقاء الله و كره الله لقاءه
و خرج الترمذي في أبواب القدر [ عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : إن الله عز و جل إذا أراد بعبد خيرا استعمله فقيل : كيف يستعمله يا رسول الله؟ قال : يوفقه لعمل صالح قبل الموت ]
و روى ابن جريج [ عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال لعائشة : في تفسير قوله تعالى : { حتى إذا جاء أحدهم الموت قال : رب ارجعون } إذا عاين المؤمن الملائكة قالوا : نرجعك إلى الدنيا ؟ فيقول إلى دار الهموم و الأحزان ؟ و يقول قدما إلى الله عز و جل و أما الكافر فيقولون : نرجعك إلى الدنيا ؟ فيقول : { ارجعون * لعلي أعمل صالحا }

3-المرحلة الثالثة : بعد الموت
فعندما يأتيه الملكان في قبره ليسألاه عن ربه وعن دينه وعن النبي الذي بعثه الله اليه فإذا كان من أهل الاستقامة في الدنيا ثبته الله في قبره (كما ثبته عند موته بنطق الشهادتين) وألهمه اجابة الأسئلة
لقد دربنا الله على الموت كل ليلة حتى لا نستغربه
(وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُّسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)(اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)

ومن رحمة الله بنا وفضله علينا أنه أخفى عنا علم الغيب من طريقة الموت , موعده , ومكان وقوعه , فكل منا له أجل محدد ومكتوب لن يتأخر عنه أو يتقدم
” وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَابًا مُّؤَجَّلاً وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ ”
” وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ ”
” قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ ”
” وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ ”
” إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ”

فاحذروا قول الشيطان أنه لو لم يذهب الى مكان كذا ما كان سيموت وأنه لو بقى هنا ما حدث كذا
” أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِ اللّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلًّ مِّنْ عِندِ اللّهِ فَمَا لِهَؤُلاء الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا ”
” يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحَّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ”
” وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ ”
” مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ”
” مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ لكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ”
” قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ”
وهذه مساعدات لعبور المحنة:
1- أن قضاء الله أحب إلينا من قضائنا لأنفسنا وتدبيره أحب إلينا من تدبيرنا لأنفسنا
(والله يعلم وأنتم لا تعلمون) , (ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير)

2- لم يعط الله أحدا عطاء أوسع من الصبر
قال النبى صلى الله عليه وسلم  :” ومن يتصبّر يصبره الله، وما أعطي أحد عطاء أعظم ولا أوسع من الصبر ” , فالصبر هو : حبس النفس وكفها عن السخط وعقل اللسان عن الشكوى
ومقامات الصبر ثلاثة: أولها التصبر: وهو السبب الذى ينال به الصبر فمنزلة التصبر من الصبر بمزلة التعلم من العلم
والثاني الصبر : وهو ثمرة التصبر وكلاهما يحمد إذا كان لله , ومالم يكن له لاينفع ولا يثمر قال سبحانه (( واصبر وماصبرك إلا بالله ))
الثالث الاصطبار : قال تعالى (( فارتقبهم واصطبر )) , فالاصطبار أبلغ من الصبر كما أن الاكتساب أبلغ من الكسب , فهو مشعر بزيادة المعنى على الصبر كأنه صار سجية وملكه :” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ”
” وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ.الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ.أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ”
” إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ ”

3- التعامل مع هذه المصيبة كما سماها الله في سورة المائدة ” فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْت ”
قال رسول الله :إذا أحب الله قوما ابتلاهم فمن رضي فله الرضا و من سخط فله السخط
قال رسول الله : أشد الناس ابتلاء هم الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل ويبتلى الرجل على قد دينه فأن وجد في دينه صلابة زيد له في البلاء

4- لو كنت أنت الميت ماذا كنت فاعلا ؟ولماذالم يمتك الله؟ فاعلم أن الموت قادم لا محالة وأن الله أخرك لتستزيد من العمل ” وتزودوا فإن خير الزاد التقوى ”
وما يدريك لو أن هذا الميت عاش أنه سيكون في خير وأمان (كان من الممكن أن يعيش بقية حياته معذبا مع المرض مثلا أو طريح الفراش ، أو أنه يضل عن طريق الله ويكون بذلك خسر الدنيا والآخرة)

5- عليكم باستغلال طاقة الحزن لصنع التغيير الداخلي في النفس والتخلص من شوائبها وأمراضها وتحفيزها واستنهاضها الى طريق الله والمسارعة في فعل الخيرات والسبق الى الجنات ” وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ”

ولا تنسوا  التـقرب الى الـلـه بالدعـاء والاستغفـار لقوله تعالى ” ادعوني استجب لكم “والصلاة لقوله تعالى ” واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرةً الا على الخاشعين”
وقراءه كلام الله لقوله تعالى (الا بذكر الله تطمئن القلوب) والبعـد عـن التفكـير في الأمـور المستحـيل حصـولهـا بالتمنـي لمـا يجـلبه مـن إحباط.

 

 

د. محمود الصعيدي

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: