واقعنا من دروس رحلة الإسراء والمعراج

في هذا الشهر  المبارك ” رجب “تمت رحلة الاسراء والمعراج.. وأود الوقوف  عند بعض دروسها  لنرى كيف حال واقعنا منها

أبدأ اولا بالآية الكريمة التي ذكرت الرحلة المباركة

سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ- 1 – الإسراء

إن بداية الإسراء من المسجد الحرام وانتهاءه إلى المسجد الأقصى فيه إشارة إلى أهمية المسجدين خاصة وأهمية المساجد عامة..هذه المساجد التي تحارب تحت شعار تحييد المساجد حتى تغيب الشعوب عن واقعها السياسي والاقتصادي والثقافي

واقف عند المسجد  الاقصى  الذي أراه يحدد العلاقة بين اتباع الامم ومنه يدار العالم إما بشرع الله وبالتعايش السلمي بين أتباع الامم المختلفة إذا ما فتحه المؤمنون…. أو بشريعة الشيطان واستعباد الناس وإذلالهم إذا ما استولى عليه الطغاة والمفسدون في الأرض كواقعه اليوم

وعلى مر العصور كل من استولى على المسجد الاقصى وما حوله وهو رافضا لشرع الله إلا ويدير العالم بهواه وشهواته ومصالحه و بالاستعلاء على الآخرين واستعبادهم وبإقامة دولة الشيطان االمستندة على كل أنواع الظلم والفساد كما كان في عهد الرومان والصليبيين وفي عصرنا مع اليهود الذين علوا في الارض علوا كبيرا بفسادهم وبمحاربتهم للاسلام دين الله …ولا عجب أن جاء ذكر فساد بني إسرائيل وعلوهم في الارض في سورة الاسراء ووعد الله بانتصار المؤمنين على اليهود الغاصبين وإسقاط دولتهم التي أقاموها في العالم تحت ما يسمى بالنظام العالمي

فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا- 7- الاسراء

فلا استقرار لأمة في بيت المقدس وهي رافضة لشرع الله ومحاربة للتعايش السلمي ببناء جدران الفصل والعنصرية والكراهية ….وما صلاة جميع الرسل في المسجد الاقصى بإمامة الرسول صلى الله عليه وسلم في رحلة الاسراء والمعراج الا اقرار منهم بالاخوة البشرية وبقيادة العالم برسالة خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم التي هي أصلا الرسالة التي أرسل بها جميع الرسل عليهم السلام وهي رسالة الاسلام

وما على أتباع الرسل إلا الحكم بها,  ولا سبيل لقطع العلاقة بين السماء والارض كما يحاول السياسييون فعله اليوم ليفصلوا بذلك شريعة الله عن سياساتهم الفاسدة التي يريدون اخضاع البشر لها بكل طرق التعذيب والاذلال

فالمعراج جاء ليؤكد على علاقة الانسان بربه والتي يجب ان تبقى دائما متصلة ومترابطة …واول طريقة لهذا التواصل الدائم بين الله وعبده  هي الصلاة ….وقد  فرضت الصلوات الخمس في هذه الرحلة المباركة على المسلمين وهي أعظم عبادة يستعين الانسان بها على الابتلاءات وتريح المؤمن   عند آدائها

 يَقُولُ اللهُ تَعَالى: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ)

، وكَانَ -عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ- إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ فَزِعَ إِلى الصَّلاةِ، ونَادَى بِلالاً -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَائِلاً: ((أَرِحْنَا بِها يَا بِلالُ))، وبقيت هذه العبادة معراجا يرقى بها المؤمن إلى عالم الطهر والصفاء تزكية للنفوس ويبعد  بها عن الفحشاء والمنكر

اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ- العنكبوت -45

ما ضيع الانسان هذه العبادة  أي الصلاة الا ضاع وتاه وسقط في حبال الشهوات  التي تقوده الى جميع المحرمات وقد خبرنا الله كيف تاه بنو إسرائيل وذلك بقوله

فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا

فمن ضيع صلاته خسر الدنيا والاخرة

وكيف ضيعوا الصلاة؟

بدؤوا بتحريف  طقوسها فألغوا الركوع والسجود وأصبحوا يقومون بحركات ما أنزل  الله بها من سلطان  وهم الذين أمرهم الله بالركوع في قوله

 وَأَقِيمُواْ الصَّلاةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ

وقد أمروا أيضا بالسجود  وها هو قول   الله لمريم عليها السلام

يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين}

ولكن مع مر الزمان حرف بنو إسرائيل صلاتهم وأصبحوا يحاربون من يصلي كما أمر الله سبحانه وتعالى وصولا الى عصرنا  الذي جندوا فيه من  بين المسلمين   من يحرف طقوس صلاتنا …  ومن بين هؤلاء  المفكرة ألفة يوسف التي قبل ثورتنا المباركة بدأت تطعن في الصلاة وتدعي عدم وجود  تفصيل  للصلاة في القرآن لا في عددها ولا في طريقتها وإن طريقة الصلاة التي كانت على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ليست ملزمة في عصرنا وما هي إلا شكليات تاريخية ويكفي أن يصلي المرء بالطريقة التي تشعره انه قريب من الله  لتلحقنا  الدكتورة ألفة يوسف باجتهادها  الى أمم ضيعوا الصلاة فضيعهم الله

هكذا أصبح التخطيط على قدم وساق منذ عقود في محاربة رسالة الاسلام وتحريف أحكام الله تحت عنوان فصل الدين عن السياسة  إلى أن اكتشفنا مع  بداية ثورة تونس المباركة أن حكام الامة ما هم إلا مجرد عملاء للموساد وللغرب يعملون بكل قواهم مع الصهاينة لمحاربة الاسلام  ليصنعوا شعوبا غارقة في الرذائل والفواحش  والزنا ومتعاطية للربا الذي حرمه الله علينا لأنه نظام مالي فاسد  يجعل الغني يمتص دم الفقير، ويزداد بمال الفقير غنًى، ويزداد الفقير فقراً وضعفاً،

قال تعالى: }الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ المَسِّ{ (البقرة: 275).

وقد نجح الصهاينة في فرض هذا النظام المالي في كل العالم  فغابت العدالة الاجتماعية …كما نحجوا بمعية عملائهم في أوطاننا   بنسبة كبيرة في جر الشعوب الى نظامهم العالمي الخالي من كل القيم  ولا يحرم فيه باطل ولا ينكر فيه منكر  وما علينا الان جميعا الا العودة الى  العقوبات  التي رآها النبي صلى الله عليه وسلم في رحلة المعراج كإشارات إلى تحذير الأمة من الانحرافات مثل الربا، والزنا، وأكل مال اليتيم والغيبة ؛ لأنها أمراض اجتماعية تدمِّر الأفراد والمجتمع.و تجر علينا  العقوبات الشديدة …، وهي العقوبات التي شاهدها الرسول صلى الله عليه وسلم في رحلته .

فلنعد إلى فطرة الانسان السليمة و لننبذ كل المفاسد ولنكن كرسولنا صلى الله عليه وسلم الذي لما قدم له جبريل عليه السلام في رحلته هذه  إناء من خمر وإناء من لبن، فاختار اللبن ، فقال  له جبريل اخترت الفطرة (الإسلام والاستقامة.

 فالإسلام هو الدين الذي يلبي نوازع الفطرة في توازن بين الروح والجسد،  والمصالح والمفاسد، والدنيا والآخرة،

واليوم  أعزائي القراء إن بيت المقدس هي مطلب جميع الأمم لادارة النظام العالمي

فالصهاينة يسعون الى هدم المسجد الاقصى بنية هدم رسالة الاسلام ورمز يشد المؤمن الى خالقه  عند الصلاة   لإقامة هيكل الشيطان وتثبيت دولتهم نهائيا على الآرض والتي باتوا ينادوا باعترافها كدولة يهودية …والنصارى  وضعوا أيديهم في أيدي الصهاينة يخططون معهم لطمس رسالة الله وشاركهم في هذا المخطط   حكام الامةالاسلامية والمنافقون فيها و الحاملون لافكار هدامة باسم الحداثة .والحرية وغيرها من الشعارات

أما المؤمنون  في  بيت المقدس وفي جميع انحاء الامة  فمن جهتهم يسعون إلى إقامة شرع الله  لتكون كلمة الله هي العليا   و   رغم ملاحقتهم  من قبل اعداء الحق   فهم باقون الى أن يرث الله الأرض ومن عليها و قد خبرنا الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله: “لا تزال طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ لَعَدُوِّهِمْ قَاهِرِينَ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ إِلَّا مَا أَصَابَهُمْ مِنْ لَأْوَاءَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ”. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَيْنَ هُمْ؟ قَالَ: “بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَكْنَافِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ

والصراع  بين الطرفين  على أشده اليوم بعد قيام الثورات العربية  وستقع غربلة في العالم لينجمع  أحراره  والمؤمنون في صف  ,  والفاسدون والمبطلون والكافرون في صف آخر  .. وسيتطهر إن شاء الله المسجد الاقصى مسرى الرسول صلى الله عليه وسلم من أيدي قتلة الانبياء  الذين  تجمعوا  هناك بعدما جاء الله بهم كما وعد في سورة الاسراء ليكون ذلك وعد الآخرة

وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُواْ الأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا- الاسراء -104

 والطريق الى القدس شاق وصعب والهجمة على الاسلام ستكون أشد و أكبر وها أننا بعد ثوراتنا المباركة نرى كيف خرج من بيننا في تونس من يدعو الى عبادة الشمس ومنهم من يدعي أن دينه الديمقراطية ومنهم من يدعي أن دينه الحرية ومنهم من أنتج الافلام منكرا وجود الله كالمخرجة السينيمائية نادية الفاني ومنهم من يتوعد بشن حرب إذا ما صعد الاسلامييون الى الحكم ومنهم من سارع الى الاوروبيين يستنجد بهم للتدخل العسكري لان الاسلاميين بدؤوا يسيطرون على الساحة وغير هؤلاء ممن اعتقدوا أن الثورة ما قامت الا ليصبح العداء للاسلام جهرا بعدما كان سرا

وما علينا أمام هذه الهجمة الشرسة الا التسلح بالدعاء أسوة بالرسول صلى الله عليه وسلم الذي لما اشتدت عليه المحن قبل رحلة الاسراء والمعراج مثل موت أمنا  خديجة رضي الله عنها التي كانت له سندا قويا في رسالته وموت عمه أبو طالب الذي كان يحميه من الكفار وكذلك ما لاقاه من إهانات أهل الطائف لدرجة ضربه بالحجارة حتى أدميت قدماه الشريفتان

فماذا فعل عليه السلام ؟

هل انتحر احساسا بالاهانة ؟

لا بل لجأ إلى أهم سلاح المؤمن وهو السلاح الذي يستهين البعض به ولا يلقي له اي اهتمام وهو سلاح الدعاء ..فالمؤمن الذي يشعر بضعف يعلم جيدا ان حوله وقوته لا يكونان الا بالله الذي قال

ادعوني استجب لكم

فدعا الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا الدعاء

(( اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس إلهي أنت رب المستضعفين أنت ربي إلى من تكلني إلى بعيد يتجهمني أم إلى عدو ملكته أمري أعوذ بنور وجهك الذي أضاءت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن ينزل علي غضبك أو أن تحل بي عقوبتك لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بالله)).فأعزه الله برحلة الاسراء والمعراج

.فليكن من بين أسلحتنا الدعاء في فترة أصبحت فيها الحرب على الاسلام واضحة و جهرا بعدما كانت سرا قبل ثوراتنا المباركة و أن لا ييأس الواحد فينا ويلتجئ الى الانتحار أو أي عمل عنيف ينتظره أعداؤنا ليرموننا بالارهاب وبالتالي يحاولون تركيعنا ليستقيم لهم المقام في السلطة من جديد ومواصلة نشر فسادهم بحجة فصل الدين عن الدولة

والحمد له إن ما يحدث اليوم من ثورات مباركة، هو المبشر لفتح القدس، إن شاء الله وإننا على طريق صلاح الدين الايوبي رحمه الله والذي سبق تحريره لبيت المقدس تحرير الممالك والمدن الإسلامية من الأمراء والملوك الفاسدين الذين تحالفوا يومها مع الصليبيين ضد قضايا الامة

وأنهي مقالي باعادة اسنخلاص اهم ما رايناه دروسا من رحلة الاسراء والمعراج تعيننا في هذه الايام العصيبة

 أولا الدعاء وهو سلاح الرسول صلى الله عليه وسلم وقد كثف منه قبل رحلته المباركة وندعو حتى للضالين عسى ان يهديهم الله بدعوة من أحدنا  وأسوتنا في ذلك رسولنا صلى الله عليه وسلم  الذي قال له ملك الجبال بعدما لاقاه الرسول صلى الله عليه وسلم من أهل الطائف وقبل رحلة الاسراء والمعراج : يا محمد إن الله قد سمع قول قومك لك وأنا ملك الجبال وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك فما شئت إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين.. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا

ثانيا الحفاظ على الصلاة  التي توصلنا بخالقنا دائما وهي التي فرضت  في رحلة المعراج

ثالثا الحفاظ على فطرتنا السليمة التي تأبى كل المفاسد  وهو الدرس المتجلي لنا في اختيار الرسول صلى الله عليه وسلم إناء اللبن في رحلته

رابعا الثبات على المواقف والشجاعة على الادلاء بها وهذا نستخلصه في رواية الرسول صلى الله عليه وسلم عن رحلته رغم تكذيب المكذبين

خامسا  مسؤولية تحرير الأقصى من أيادي الغاصبين و اعداد ما نستطيع من سلاح لذلك

فلنكن  بهذه الدروس من جند تحرير الاقصى  المبارك الذي وعدنا الله به  ورسوله صلى الله عليه وسلم

 وبالله التوفيق ومنه النصر

بقلم : ليلى العود

 

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: