وصايا الصالحين..

نحتاج دوماً إلى النصيحة الصالحة التي تحث على التقوى والاستقامة, وتقوم الطريق وتزيل الغشاوة وتبصر بالأخطاء وتوجه نحو الأمام, ويا لها من نصيحة تلك التي تأتينا من قوم صالحين قد عملوا فأجادوا وأخلصوا فأظهر الله ما قدموا وبارك في خطاهم وصاروا للأمة قدوة وهداة, قال الله _تعالى_: ” ولقد وصينا الذي أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله “, وقال _سبحانه_ ” ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وانتم مسلمون “.
فالوصية إذن من تمام النصيحة لله ولرسوله _صلى الله عليه وسلم_ وللمسلمين والتواصي بينهم بالحق قال _تعالى_ ” والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر “, وكما ثبت في صحيح مسلم وغيره من حديث تميم الداري قال: قال رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ ” الدين النصيحة قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم “, فمن هنا أخذ السلف _رضوان الله عليهم_ العمل بالنصح فيما بينهم وصدق فيهم قول الله _تعالى_ ” المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن بالمنكر… “, وفي مقالنا هذا نحاول معك أيها القارئ الكريم أن نتجول جولة محب بين بساتين ووصايا و نصائح هؤلاء الصالحين محاولين أن نقتفي بعض الأثر ونقطف ماأبيح من الثمر.

أنفع الوصايا:
قال شيخ الإسلام بن تيمية _رحمه الله_: ” أما الوصية ” فما أعلم وصية أنفع من وصية الله ورسوله لمن عقلها واتبعها. قال _تعالى_: “ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله” ووصى النبي _صلى الله عليه وسلم_ معاذاً لما بعثه إلى اليمن فقال:” يا معاذ اتق الله حيثما كنت. واتبع السيئة الحسنة تمحها. وخالق الناس بخلق حسن “, وكان معاذ _رضي الله عنه_ من النبي _صلى الله عليه وسلم_ بمنزلة عليه فإنه قال له: يا معاذ والله إني لأحبك وكان يردفه وراءه.. وكان ابن مسعود _رضي الله عنه_ يقول: ” إن معاذاً كان أمه قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين تشبيها له بإبراهيم.
فالوصية بتقوى الله هي أنفع وأجمع الوصيات حيث بها قوام الدين و التقوى أصل من أصول الصلاح حيث وصف الله بها عبادة المؤمنين في كتابه وأثنى عليهم ” (الوصية الصغرى)

نصيحة الصديق رضي الله عنه:
قال أبو بكر الصديق _رضي الله عنه_ حينما خطب الناس: ” إن الله لا يقبل من الأعمال إلا ما أريد بها وجهه، فأريدوا الله بأعمالكم واعلموا أن ما أخلصتم لله من أعمالكم فطاعة أتيتموها وحظ ظفرتم به وضرائب أديتموها وسلف قدمتوه من أيام فانية لأخرى باقية لحين فقركم وحاجتكم، اعتبروا عباد الله بمن مات منكم وتفكروا فيمن كان قبلكم أين كانوا أمس؟ وأين هم اليوم؟ أين الجبارون الذين كان لهم ذكر القتال والغلبة في مواطن الحروب؟ قد تضعضع بهم الدهر وصاروا رميما قد تركت عليهم القالات الخبيثات، إنما الخبيثات للخبيثين، والخبيثون للخبيثات ……. (البداية والنهاية).
وقال أيضا: ” أما تعلمون أنكم تغدون وتروحون لأجل معلوم، فمن استطاع أن يقضي الأجل، وهو في عمل الله فليفعل، ولن تنالوا ذلك إلا بالله _تعالى_, وإن قوما جعلوا آجالهم لغيرهم، فنهاكم الله أن كونوا أمثالهم ” ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم “. سورة الحشر. [ آية 19].
وقال أيضاً: ” لا خير في قول لا يراد به وجه الله ولا خير في مال لا ينفعه في سبيل الله، ولا خير فيمن جهله حلمه، ولا خير فيمن يخاف في الله لومة لائم “. (ذكره بن كثير في تفسيره وقال هذا إسناده جيد ورواته ثقات).
فالصديق _رضي الله عنه_ ينصح ببذر بذور الإخلاص في النفوس وتعاهد النقاء في الأعمال وتصحيح الرغبة في الابتغاء, فلا ابتغاء سوى ابتغاء وجهه _سبحانه_ إذ إن هذه الأيام إلى فناء ومن تدبر تعقل, فإياك أن تجعل أجلك لغيرك ولكن اجعله ليوم تلقى فيه ربك.

نصيحة الفاروق _رضي الله عنه_:
قال عمر بن الخطاب يوماً: ” أيها الناس، اتقوا الله في سريرتكم وعلانيتكم، وأمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر ولا تكونوا مثل قوم كانوا في سفينة فأقبل أحدهم على موضع يخرقه فمنعوه فقال: هو موضعي ولى أن أحكم فيه فإن أخذوا على يديه سلم وسلموا وإن تركوه هلك وهلكوا، وهذا مثل ضربته لكم رحمنا الله وإياكم ا. هـ ” (ذكره بن عبد ربه في العقد الفريد (2/362)..
فالفاروق ههنا ينصح بالشفافية في الشخصية لكل مسلم وألا يكون بوجهين كالمنافق, فالمؤمن سريرته وعلانيه سواء, بل إن سريرته أحسن من علانيته, ويبين الفاروق أن تقويم الآخر وتوجيهه ودعوته وبيان المعروف هو من أول واجبات كل مؤمن فإياك أن تذر الذين يخرقون السفينة بغير أن تأخذ على أيديهم..فإنهم سوف يغرقونها بالجميع قال الله _سبحانه_ ” واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ”

نصيحة علي _رضي الله عنه_:
” ولما ضرب بن ملجم عليا _رضي الله عنه_ دخل منزله فاعترته غشية، ثم أفاق، فدعا الحسن والحسين _رضي الله تعالى عنهما_ وقال:
” أوصيكما بتقوى الله _تعالى_ والرغبة في الآخرة، والزهد في الدنيا ولا تأسفا على شئ فإنكما عنها راحلان افعلا الخير وكونا للظالم خصما وللمظلوم عونا.
ثم دعا محمدا ولده وقال له: أما سمعت ما أوصيت به أخويك. قال بلى. قال: فإني أوصيك به، ثم قال: يابني أوصيكم بتقوى الله في الغيب والشهادة وكلمة الحق في الرضا والغضب والقصد في الغنى والفقر والعدل في الصديق والعدو والعمل في النشاط والفتور والرضا عن الله في الشرة والرخاء. بابني ما شر بعده الجنة بشر، ولا خير بعد النار بخير. كل نعيم دون الجنة حقير وكل بلاء دون النار فما فيه, يا بني من أبصر عيب نفسه اشتغل عن عيب غيره ومن رضي بما قسم الله له لم يحزن عما فاته، ومن سل سيف البغي قتل به، ومن حفر لأخيه بئراً وقع فيها, ومن هتك حجاب أخيه هتك عورات بنيه، ومن نسي خطيئتة استعظم خطيئة غيره، ومن أعجب برأيه ضل ومن استغنى بعقله زل، ومن تكبر على الناس ذل ومن خالط الأنذال احتقر ومن دخل مداخل السوء اتهم نفسه ومن جالس العلماء وقر، ومن مزح استخف به، ومن أكثر من شيء عرف به، ومن كثر كلامه كثر خطؤه. وقل حياؤه، ومن قل حياؤه قل ورعه، من قل ورعه مات قبله، ون مات قبله دخل النار, يا بني الأدب ميزان الرجال، وحسن الخلق خير قرين، يا بني العافية عشرة أجزاء تسعه منها في الصمت إلا عن ذكر الله وواحدة في ترك مجالس السفهاء, يا بني لا شرف أعلى من الإسلام، ولا كرم أعز من التقوى، ولا شفيع انجح من التوبة، ولا لباس أجمل من العافية، يا بني الحرص مفتاح التعب ومطية النصب ” (المستطرف)

وللصالحين نصائح ووصايا..
فعن ابن جريح أن طاووسا أخبره: أنه سأل بن عباس عن الركعتين بعد العصر؟ فنهاه عنهما، قال طاووس: فقلت له: ما أدعهما, فقال ابن عباس ” قال _تعالى_: ما كان لمؤمن ولا مؤمنه إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم. ومن يعص الله فقد ضل ضلالاً مبيناً ” (الرسالة للشافعي ص 443).
• وأيضا أن سعيد ابن المسيب رأى رجلاً يصلى بعد طلوع الفجر أكثر من الركعتين يكثر فيهما الركوع والسجود فنهاه. فقال يا أبا محمد يعذبني الله علي الصلاة؟ فقال لا … ولكن مع خلاف السنة ” (عبد الرزاق – في الصلاة)
• وقال رجل للإمام مالك بن أنس: يا أبا عبد الله من أين أحرم؟ فقال مالك من ذي الحليفة من حيث أمرهم رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ فقال: إني أريد أن أحرم من المسجد عند القبر. قال: لا تفعل فإني أخشى عليك الفتنه، فقال: وأي فتنه في هذه؟ إنما أميال أزيدها؟! قال: وأي فتنه أعظم من أن ترى أنك سبقت إلى فضيلة عنها رسول الله _صلى الله عليه وسلم_؟ يقول الله _تعالى_: ” فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنه أو يصيبهم عذاب أليم ” (ذكره البغدادي في الفقيه والمتفقة (1/148).
• وقال الشافعي _رحمه الله_: ” وأوصي بتقوى الله _عز وجل_، ولزوم السنة والآثار عن رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ وأصحابه وترك البدع والأهواء واجتنابها ….(وصية الشافعي)

أيسر الوصايا:
قال عبد الله بن الإمام أحمد لأبيه يوما أوصني يا أبت قال: ” يا بني انوِ الخير فإنك لا تزال بخير ما نويت الخير ” , قال ابن مفلح: ” وهذه وصية عظيمة سهله على المسئول سهلة الفهم والامتثال على السائل وفاعلها ثوابه دائم مستمر لدوامها، واستمرارها وهي صادقة على جميع أعمال القلوب المطلوبة شرعاً سواء تعلقت بالخالق أو بالمخلوق وأنها يثاب عليها ولم أجد في الثواب عليها خلافا, قال الشيخ تقي الدين في كتاب الإيمان ” ما هم به من القول الحسن والعمل الحسن فإنما يكتب له به حسنه واحدة وإذا صار قولا وعملا كتب له عشرة حسنات إلى سبعمئة ضعف ذلك الحديث المشهور في الهمة. ويلزم من العمل بهذه الوصية ترك أعمال القلوب المذمومة شرعا وأن من عملها لم يبق في حرز من الله وعصمته وقد وقع من الخالق عليه من الشر والعذاب… (نقلا الآداب الشرعية لابن مفلح (1/139).

ابن حزم يداوي النفوس بالنصيحة:
• قال ابن حزم: ” ولا تأس إذا ذممت بما ليس فيك، بل افرح فإنه فضلك ينبه الناس عليه، ولكن افرح إذ إن فيك ما تستحق به المدح سواء مدٌحت به أو لم تمدح، واحزن إذا كان فيك ما تستحق به الذم وسواء ذممت به أو لم تذم”.
• وقال أيضاً: ” ولا تنصح على شرط القبول، ولا تشفع على شرط الإجابة ولا تهب على شرط الإنابة لكني على سبيل الفضل وتأدية ما عليك من النصيحة والشفاعة وبذل المعروف.
• .. وقال أيضاً: النصيحة مرتان (فالأولى: غرض ودينه.. والثانية تنبه وذكر.. وأما الثالثة فتوبيخ وتقريع، وليس وراء ذلك إلا التركل واللطامة، وربما أشد من ذل البطئ والأذى، اللهم إلا في معلى الديانة فواجب على المرء تزداد النصح فيها رضا المنصوح أو سخط تأذى الناصح بذل أو لم يتأذ.
وإذا نصحت فانصح سرا لا جهرا وبتعريض لا تصريح إلا أن يفهم المنصوح تعريضك فلا بد ن التصريح ولا تنصح على شرط القبول منك.
فإن تعديت هذه الوجوه فأنت ظالم لا ناصح، وطلب طاعة وملك لا مؤد حق ديانه وأفوه، وليس هذا حكم العقل ولا حكم الصداقة ولكن حكم الأمير مع رعيته والسير مع عبيده.
ويقول أيضا ” الاتساء بالنبي _صلى الله عليه وسلم_ في وعظه أهل الجهل والمعاصي والرذائل واجب. فمن وعظ بالجفاء والاكفهرار فقد أخطأ وتعدى طريقه _صلى الله عليه وسلم_ وصارفي أكثر الأمر مغريا الموعظ الجافي فيكون في وعظه سيئا لا محسنا “.
ومن وعظ ببشر وتبسم ولين ـ وكأنه مستنير برأي، مخبر عن خير الموعظ بما يستقبح من الموعوظ فذلك أبلغ وأنجح في الموعظة فإن لم يتقبل: فلينتقل إلى الوعظ بالتحشيم وفي الخلاء، فإن لم يقبل ففي حضرة من يستحي منه الموعوظ، فهذا أدب الله _تعالى_ في أمره بالقول اللين.. وكان _صلى الله عليه وسلم_ لا يواجه الموعظة لكن كان يقول ” ما بال أقوام يفعلون كذا.. وقد أثنى عليه الصلاة والسلام على الرفق، وأمر بالتيسير ونهي عن التنفير.وكان يتخول بالموعظة خوف الملل.

 

خالد رُوشه

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: