وطنـي: معاول الاستجداء.. و مجاديف الاستفتاء (بقلم الجمعي العليمي)

إنّ المتأمّل في المشهد السياسي التونسي منذ دخول البلاد مرحلة الإعداد و الاستعداد لانتخابات نهاية 2014 لا يمكنه أن يتغافل عن حقيقة أصبحت تنكشف يوما بعد يوم؛ حقيقة الاستقطاب و التدافع بين أطراف عديدة تتنازع إرساء “مشروع” لهذا الوطن ؛ كلّ يرى نفسه المؤهّل أكثر من غيره لنحت مستقبل البلاد و وسم هذه المرحلة بسماته و طبعها بطابعه، و هي ظاهرة صحيّة و طبيعيّة في مرحلة تأسيسيّة الكلّ يريد أن يلعب فيها دور المهندس و البنّاء..

لن أسقط في مستنقع “التحليل الأعمى” الذي يعوم فيه الكثيرون ممّن يتصدّون لتحليل المشهد و استقراء مساراته و استكناه أغواره ؛ فأغمض عينا و أفتح أخرى لأغرق في يمّ الغمز و اللمز و الهمز.. لذا سأسمّى الأشياء بأسمائها و سأقول للقطّ ” أنت قطّ “..

إنّ التجاذب و الاستقطاب الثنائي الذي يتحدّث عنه أدعياء السياسة و بارونات التحليل و ثقفوت هذا الزمان محض وهم لا وجود له الاّ في أذهان هؤلاء.. انهم يرونه في التنازع بين القديم و الجديد أو بين الماضي و الحاضر أو بين المنظومة القديمة و المنظومة الجديدة.. أو كما يستسهل الكثيرون الأمر و يسطّحونه في صراع بين “تجمّع القوى الدستوريّة و التجمّعية المتحالفة مع اليسار الانتهازي و توابعه” من جهة و “حملة فكر الإسلام السياسي” من جهة أخرى.

إنّ هذا التجاذب أو الاستقطاب الثنائي الذي يتحدّث عنه الكثيرون يقتضي ضرورة حضور مشروعين متضادّين ؛ وهذا ما لم يتوفّر حتّى الآن في تونس.. إذ لا نجد صراعا أو تجاذبا بين المشاريع بقدر ما عشنا طيلة الفترة السابقة من عمر الثورة تناكفا بين أطراف لا يحمل أغلبها مشروعا واضحا لهذا الوطن …مشروع يمكن أن يتولّى بناء البلاد و النّهوض بها.. و عندما يكون الأمر على هذه الحال ؛ لا يمكننا أن نتحدّث عن صراع أو تجاذب لأنّ مقوّمات هذا الصراع و شروطه غير متوفّرة أصلا.

فهل يمكننا أن نتحدّث عن صراع وهميّ افتراضيّ ؟؟ ربّما هذا ما يحدث فعلا.
فالمشروع القديم تآكل و انهار منذ فرار المخلوع ؛ وما تحرّك أصحابه و عودتهم الأخيرة إلّا كتخبّط الغريق كلّما ازداد خبطه كلّما اقترب من قرار اليمّ و أزفت ساعته.
أما المشروع الجديد الذي يمكن أن يمثّل البديل المنشود ؛ فلم تتشكّل ملامحه بعد ؛ وكلّ محاولاته لتسريع تشكّله وقعت مواجهتها و التصدّى لها بل إعاقتها و محاولة إفشالها …و ربّما فضيلته أنّه لم ييأس و لم يكفّ عن المحاولة .

إنّ الصراع، كما أراه، لم يقع بعد على الأرض.. انه لا يعدو أن يكون صراع إرادات بين طرف لا مشروع له غير مشروع العودة إلى السّلطة بعد أن كنسته ثورة شعبيّة أطاحت برأس نظامه و أجبرته على الفرار و هو مشروع يغرق و يواصل تقدّمه نحو قرار اليمّ بسرعة خرافية تزداد مع مرور الوقت معيقا كلّ محاولات انقاذه لأنه يعتبر أن طوق النجاة لا يمكن أن يلقى له إلّا من الخارج،
و طرف يحاول إرساء مشروع بديل للنجاة و الخلاص و الخروج بالبلاد من بحر الاستبداد و الفساد إلى شاطىء الديمقراطيّة و العدالة و التنمية الشاملة ؛ معوّلا في ذلك على قدراته الذّاتية معتبرا أن التغيير و الحلّ لا يمكن أن يكون إلّا من الدّاخل.

لقد تبلور ” صراع الإرادات ” هذا و اتّضح خلال الأشهر الأخيرة و تجلّت ملامحه هذه الأيام خاصّة بعد تولّي ” حكومة التوافق الوطني المؤقّتة ” مقاليد الأمور أثناء هذه الفترة الانتقاليّة ….
لقد أصبحنا نرى و نشهد تجاذبا و تدافعا بين فريقين في هذه المرحلة :

– فريق نفض يديه من الدّاخل و ولّى وجهه صوب الخارج و راح يستفتيه في أمر البلاد و العباد و يستجدي منه الحلول و الأفكار و الأموال و حتّى النساء و الرّجال لتنفيذ استراتيجيته و ” مشروعه ” ؛ محتقرا الدّاخل و متعاليا عليه.

– فريق مازال يؤمن بأنّ ” ماحكّ جلده مثل ظفره ” فجلس إلى ” الداخل ” و راح يستفتيه فيأمر البلاد و العباد و يحتكم إلى ارادة النّاس و يحترم قرارهم ؛ معتبرا أنّ ” الداخل ” هو صاحب الحلّ و العقد و هو المرجع الذي يجب الاحتكام إليه في اتخاذ أيّ قرار مصيريّ.

هناك ارادة لتشكيل صورة نمطيّة لهذه البلاد من طرف المعسكر الأوّل …صورة البلد الخارج لتوّه من حرب ضروس أتت فيه على الأخضر و اليابس.. بلد منهك ؛ تائه ؛ تتقاذفه أمواج الأحداث بعد أن فقد بوصلته. و أصحاب هذه الرؤية يائسون من إمكانية تنزيل مشروعهم على أرض الواقع و إقناع الناس في “الداخل” بجدواه.. فهم لا يثقون في الشعب و ما زالوا يعتبرونه قاصرا و عاجزا ؛ لذلك يبحثون عن مشروع مسقط ؛ يفرضونه على البلاد و العباد بالغصب و الإكراه.. و لن يكون هذا المشروع مستنبطا من واقع الناس و حقيقة وضع البلد و إمكاناته ؛ بل انه مشروع مستورد فكرا و مادّة و روحا ؛ وافد من وراء البحار و صحاري الرّبع الخالي.. انهم ينطلقون من مصادرة تعتبر أنّ البلاد أفلست ماديا و أهلها أفلسوا فكريا و معرفيا ؛ و لا يمكن حلّ هذا الإشكال، في نظرهم، إلّا بالارتماء بين أحضان ” الآخر الأجنبيّ ” و استجداء عطفه و استدرار رأفته و استعطاء ماله .
عندما يرسل هذا الشقّ الرسائل إلى الداخل كما الخارج بأنّ البلاد عاجزة عن مواجهة مشاكلها الداخلية اجتماعيا و اقتصاديا و سياسيا و أمنيّا.. و لا يدخل في حوار داخليّ مع شعبه و القوى الحيّة و الفاعلة فيه..

و عندما يعتبر ساكن القصبة الجديد- مدعوما من هذا الشقّ – أنّ مشاكل البلاد الاقتصاديّة لا تحلّ إلا بالاقتراض و استجداء الخارج فيتجوّل بين عواصم الشّرق و الغرب أكثر من تجوّله في ربوع بلاده .
عندما يقع كلّ هذا.. فانّهم يسيئون لصورة هذا البلد و يشوّهون ما نحته التونسيون و التونسيات و بنوه بتضحياتهم و نضالاتهم وعرقهم و دموعهم و دماء أبنائهم..

مقابل هذه الإرادة و ما تسوّقه من صور و رؤى ؛ نجد ارادة أخرى و و مشروعا آخر يرى أصحابه أنّ هذا البلد لا يمكن أن يحكم إلا من الدّاخل و لا يمكن أن يسيّر إلا من أبنائه و بناته؛ و أنّ الحلول لكلّ مشاكل البلاد القديمة منها و المستحدث لا بدّ أن تُسْتَنْبَطَ من بنات أفكار أهلها و إبداعاتهم .فهذا الشّعب الذي قام بأعظم ثورة في القرن الحادي و العشرين ليس قاصرا عن استنباط حلول لمشاكله و معضلاته ؛ و ليس شعبا مفلسا كما يتوهّم الكثيرون.

إنّ أصحاب هذه الإرادة لا ينكرون المشاكل التي يتخبّط فيها البلد و أهله و لا يغمضون أعينهم عن حقيقة الأوضاع و صعوبتها ؛ و لكنّهم يرون الحلول ممكنة و موجودة و مفاتيحها بيد أهل البلد و لا خارجه.. فقط يجب استفتاء النّاس و الاقتراب منهم و تحسيسهم بأنّهم هم أصحاب الأرض و المسؤولون عنها و المؤتمنون على خيراتها ؛ و متى أحسّ الناس بذلك فعلا و حقيقة فانهم لن يتأخروا عن التضحية و الصبر و الاجتهاد و البذل من أحل تجاوز مطبّات المرحلة و مصاعبها.
إنّ أصحاب هذه الرؤية يسوّقون لصورة تونس البلد النّاهض الذي يلملم جراحه الممتدّة على طول 55 عاما و عام ؛ يستنهض قواه الحيّة لمزيد التكاتف و التوحّد لمواجهة التحدّيات.

إنّها رؤية تؤمن بأنّ التغيير الحقيقي لا بدّ أن يكون نابعا من الدّاخل لذلك انبرى إلى ترتيب البيت الداخلي باستشارة القواعد و استشارتها و الانصات إليها.. إنّها رؤية تؤمن بأن الحلول لكلّ مشكلات البلاد موجودة و في الداخل أيضا …فالتونسيون قادرون على استنباط حلول لكلّ خلافاتهم السياسية و مشاكلهم الاقتصادية و مصاعبهم الأمنية دون الاستعانة بقوى خارجيّة ؛ فالبلاد لم تفلس فكريا و حضاريا ج كما لم تفلس اقتصاديا مثلما يروّج الكثيرون.

إنّ من يروّجون للإفلاس هم المفلسون حقّا الذين وضعوا كلّ بيضهم في سلّة واحدة ؛ سلّة الاستبداد و الظلم و الاستبداد و قهر العباد و استباحة خيرات البلاد …و قد قد سقطت سلّتهم تلك من علوّ 55 طابقا و طابق ففقدوا بقرتهم الحلوب التي كانوا يتمعّشون منها ..
إنّ مشروعا يقوم على الاستجداء و التسوّل و الوقوف على عتبات الأجنبي لا يمكن أن يكون مشروعا لبناء دولة ثورة الحرّية و الكرامة …فعن أيّة كرامة تتحدّثون و أنتم ترومون بناء البلاد على ما يجود به الآخرون ؟؟

لقد وقف كلّ العالم احتراما و تقديرا و انحنى إجلالا و تعظيما لثورة التونسيين من أجل الحرّية و الكرامة …فكيف يخرج علينا اليوم من يريد إرساء مشروع للبلاد يقوم على التخلّى عن الحرية و الدوس على كرامة التونسيين ؟؟؟
لم يبق لهذا الفريق الغريق الذي يريد اغراق البلاد معه بخياراته إلا أن يعلن تونس بلدا منكوبا يحتاج إلى مؤتمر للمانحين لإنقاذه من التلاشي …لأنّ مهارتهم و كلّ كفاءتهم و خبرتهم التي كوّنونها عبر السنين الطويلة التي قضوها جاثمين على رقاب العباد شافطين لخيرات البلاد ؛ إنّما تتلخص في قدرتهم العالية على التسوّل وابتكار طرق الاستعطاء والاستجداء .
بعد أن يئس هذا الفريق الغريق من إمكانية التجذّر في الداخل ودعم الناس له بتبني مشروعه ها هو يحاول الاستقواء بالخارج باصطناع المشكل أولا ثمّ تقديم نفسه كمنقذ في محاولة لرسكلة النظام القديم واحيائه من جديد.

إنّ هذا التدافع بين المشروعين، كما أراه، سينتهي لا محالة بإفلاس “مشروع الإفلاس و التفليس” و انهياره لان الناس سواء في الداخل أو الخارج لا يقفون مع المفلسين ؛ قد يتعاطفون معهم ؛ قد يجودون عليهم.. و لكنهم لا يثقون بهم و لا يعولون عليهم خاصة إذا كان هناك في المقابل طرف يطرح نفسه كبديل يحمل راية الأمل والبناء والخلق والتعويل على الذات و العضّ على الجراح والمقاومة.. هذا الفريق سيجد الدّعم من الداخل والخارج معا.. و لعلّ الدّعم الداخلي هو المحدّد لطبيعة الدّعم الخارجي وحجمه فكلّما كان الدّعم الداخلي قويّا وصادقا وبلا حدود كلّما ازدادت ثقة الخارج بك و بقدرتك و العكس صحيح..

إنّنا كتونسيين أحرار نريد العيش بكرامة.. لا نرى قوّتنا في من يقدّمون لنا المساعدة ويجودون علينا بمالهم وتمويلهم.. بل إنّنا نرى قوّتنا الحقيقية في وحدتنا وتضامننا و إيماننا بقدرتنا على النهوض من كبوتنا التي استمرت لـ 55 عاما و عام.. معوّلين في ذلك على قدراتنا و مقدّراتنا الذاتية و لن نطلب من الخارج إلا تركنا نعمل في سلام وأن لا يشوّش على مشروع تقدّمنا..
إنّ مشروع النهوض ممكن.. و سيكون بإذن الله مادام هناك في البلد من يؤمن بضرورة تشريك الناس واستشارتهم في اتخاذ القرار وعدم تزييف إرادتهم والإيمان بأنّ التونسيين أصبحوا حقيقة و فعلا قادرين على العيش بحرّية وكرامة فوق هذه الأرض..

فلنمدّ أيدينا إلى مجاديفنا و لنحرّك المياه الراكدة فينا و حولنا.. لنمدّ أيدينا إلى بعضنا البعض.. إلى شعبنا.. قبل مدّ اليد إلى الخارج. فمعركة التنمية و النهوض تحسم في الداخل و لا أمل لاستيراد مفاتيحها من الخارج.

وقديما قيل “الطلبة تْعَيِّشْ و لكنّها تُخَلِّف الذُلّ”.. فقط يجب أن نعي بأنّ التونسيين قاموا بثورة على الذلّ والمهانة وثورتهم لم تكن ثورة جياع ولكنها ثورة من أجل العيش بكرامة و عزّة.. فالتونسيون كانوا دائما قادرين على تجاوز كل مصاعبهم المادّية والاقتصادية ولكنّهم لم يكونوا أبدا مستعدين لمقايضة كرامتهم بالرغيف.. فمتى يكف هؤلاء عن الاستجداء.. استجداء التعاطف.. استجداء المال.. استجداء الحكم؟

مازال الشعب التونسي بكل قواه الحيّة قادرا على تحريك مجاذيف ” المركب الوطني ” والتقدّم نحو شاطىء الحياة بكرامة و عزّة.. فقط انصتوا إلى الناس و اقتربوا منهم.. اقتربوا من الداخل.. انصتوا إلى نبض ” قلب الوطن”.. ففيه و به الحل.

إنّ الناس صنعوا فلكهم منذ ثورتهم على الظلم والفساد والاستبداد واختاروا وجهتهم منذ الاحتكام إلى صناديق الانتخاب.. فلا تجذّفوا ضد إرادتهم إن أردتم فعلا أن تكونوا من شركائنا في هذا الوطن.

– الجمعي العليمي –

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: