وطني.. 58 سنة من الاستقلال.. أم الاستغفال ؟ (الجمعــي العليمــي)

تعيش البلاد هذه الأيّام على إيقاع أحداث متسارعة تسارعا رهيبا يكاد يطبق على أنفاس النّاس و يخنقهم ….إذ يكاد يمرّ الحدث دون أن ندرك أسبابه و نتائجه و آثاره …و تكاد المواعيد تباغتنا و تراوغنا و تمرّ وراء ظهورنا دون أن ننتبه أو نأبه في أحيان كثيرة ….
لقد نسي أغلب التونسيين، في خضمّ الأحداث الراهنة، أنّ يوما واحدا يفصلنا عن الاحتفال بذكرى الاستقلال.. قد يكون تناسيا أيضا.. فلم تعد هذه الذكرى من الثّوابت التي تجمع كلّ التونسيين.. و هذه حقيقة لابدّ من الاصداع بها و مواجهتها عوض التعامي عنها و تجاهلها .
لماذا يختلف التونسيون في نظرتهم إلى استقلال بلادهم ؟
ما الذي يمنع التونسيين من الاحتفال بذكرى استقلال وطنهم كما تحتفل الشعوب الحرّة بأغلى مناسباتها الوطنيّة ؟؟
لماذا تمرّ ذكرى استقلال البلاد في صمت و هدوء مريبين ؟؟؟
للإجابة عن هذه الأسئلة لا بدّ من الحفر عميقا …بعمق ستّين عاما إلى الوراء …
فقبل ستّين عاما كان التونسيون مختلفين ومنقسمين حول مفهوم الاستقلال والسّبيل إلى تحقيقه وتثبيته على الأرض….
أ لم يُقَسَّم الاستقلال في تلك الأيام إلى استقلال داخلي واستقلال تام ؟
أ لم ينقسم الناس في تلك الأيام إلى مناد بالاستقلال التام واخراج الغزاة بقوّة السّلاح ومناد إلى الحصول على الاستقلال الداخلي أوّلا و إلقاء السّلاح والتفاوض مع الغزاة ؟
إنّ جذور اختلاف التونسيين اليوم في نظرتهم إلى استقلال بلادهم ضاربة في أعماق تاريخ هذه البلاد … فها إنّنا بعد نصف قرن من معارك التحرير الوطني ما زلنا نراوح مكاننا الأوّل ….
فما زال إلى اليوم هناك من يَمُنُّ على الشّعب باستقلال البلاد بعد أن لخّص تاريخ هذه الأرض في رجل واحد أحد لم يشاركه أحد في تحرير البلاد وبنائها … إنّه مجاهدهم الأكبر…. فلولاه لبقيت البلاد إلى اليوم مستعمرة فرنسية ولا بقي التونسيون رعاة يطاردون الماء والكلأ في الفيافي و القفار …
وهناك من التونسيين من يرى أنّ الاستقلال لم يحصل أبدا وما وقع هو عملية استغفال و مغالطة كبرى راح ضحيتها رجال ونساء صادقون دافعوا عن البلاد بكل شرف و إباء ورفضوا الذلّ والهوان فوقع فرزهم والاستفراد بهم وطحنهم لأنّهم رفضوا السير وراء الزعيم الملهم المغوار الذي لا يشقّ له غبار … لقد اصبحوا حينها قطّاع طرق وخونة و ” فلّاقة ” ( أي إرهابيين بمصطلح هذه الأيام وتوصيفاتها )…
لقد أقْصِيَ فريق هائل من التونسيين – أحسب أنّهم كانوا يمثلون الغالبية الغالبة – من اتخاذ القرار وتحديد مصير البلاد إبّان معارك التحرير … في حين دعّمت فرنسا فريقا آخر من التونسيين – أحسب أنّهم قلّة قليلة – و دفعت به إلى الواجهة وساندته في القضاء على كل نفس وطنيّ يطالب بالاستقلال الحقيقي للبلاد .
كلّنا يعرف – إن كثيرا أو قليلا – أسباب ونتائج ما أصبح يعرف بالفتنة البورقيبية اليوسفية …
اليوم وبعد 58 سنة من ذكرى 20 مارس 1956 لابدّ من تصحيح التاريخ وتسمية الأشياء بأسمائها الحقيقية …
إنّ ” الفلاقة ” ثوّار الخنادق وقمم الجبال … هم من قدّم باكورة الاستقلال لتونس وليس بورقيبة الذي لم يحمل في حياته بندقية وقضى أغلب حياته في الفنادق والمنتجعات والقصور .
” الفلّاقة ” هم من صعدوا إلى الجبال وتركوا كل الدنا وراءهم … هم من روت دماؤهم تربة هذا الوطن … هم من ترمّلت نساؤهم …هم من تيتّم أبناؤهم …
ولتتأكّدوا عودوا إلى كتب التاريخ ستجدون أنّ من تركتهم فرنسا وراءها في الحكم هم من لقّنوكم أنّ الاستخراب الفرنسي كان استعمارا وأنّ الاغتصاب والاحتلال والوصاية كان انتدابا وحماية…
أولئك هم من حكموا البلاد بالوكالة فأصبحت فرنسا صديقة وشقيقة وصاحبة الذراع الطولى في البلاد …
أولئك هم ” حكّام المناولة ” الذين كُلِّفُوا بالسّهر على مصالح فرنسا في هذه البلاد فأمّنوا لها امتصاص البقيّة الباقية من ثرواتنا وشفط ما تركته وراءها من مقدّرات وطنية …
واليوم…و بعد مرور كل هذه السنين من تاريخ دولة الاستقلال والبناء والاستصلاح و الإعمار…ها أنّنا نكتشف أنّنا دولة مفلسة تعيش على الاقتراض والهبات والعطايا … دولة يسافر رئيس حكومتها عشية ذكرى استقلالها ليمدّ يده ويشحذ قروضا ومساعدات من بلدان الخليج النّفطي …
أيّ معنى للاستقلال وهذا حالنا ؟
اليوم يتحرك أحفاد ” الفلّاقة ” في ربوع الجنوب التونسي مطالبين بحقّهم في العيش الكريم في وطن أعطوه كل شيء ولم يعطهم إلّا الفتات … إنّ النّاس يطالبون بفتح ملفّات الثروات الطبيعية ونشرها للعموم فلا يعقل أن يناموا على بحر من الثروات ورئيس حكومتهم يطرق الأبواب متسوّلا .
أيّ معنى للاستقلال والكرامة وثرواتنا من فسفاط ونفط وغاز … تشفط من نفس الغزاة القدامى وشعبنا يعاني البطالة والفقر والمرض ؟
أيّ معنى للاستقلال وجامعاتنا ومعاهدنا في ذيل ترتيب المؤسسات التعليمية في العالم؟
أيّ معنى للاستقلال و أبناؤنا تتقاذفهم مياه المتوسّط على قوارب الموت في اتجاه القارّة العجوز ؟
أيّ معنى للاستقلال والكرامة عندما تصبح تونس – التي وقف لها العالم إجلالا و إكبارا اثر كنس طاغيتها وثورتها من اجل الحرية والكرامة- تتلقّى دروسا في الديمقراطيّة و حقوق الإنسان من بلدان الخليج النفطي على حدّ تعبير رئيس حكومتنا ؟؟؟
أيّ معنى للاستقلال والكرامة الوطنية ونحن لم نقرأ وثيقة الاستقلال حتّى اليوم ولم يُكْشَف عنها حتّى اللّحظة ؟
في هذه السنة نعلن لأنفسنا – نحن أحفاد الفلّاقة – يوم 20 مارس الذكرى الأولي لطلب الاستقلال الحقيقي لبلدنا من كل القوى الأجنبية المعادية … من كل مظاهر الارتهان إلى الأجنبي .
في هذه السنة نعلن لأنفسنا – نحن أحفاد الفلّاقة الورثة الشرعيين لهذه البلاد – وضع حدّ لمسلسل الاستغفال و الاستبلاه الذي دام 58 سنة بتمامها و كمالها لقّنونا خلالها أنّنا بلد فقير محدود الموارد والثروات وقدرنا أن نعيش تحت رحمة القوى المانحة للقروض والمساعدات …
في هذه السنة سنترك الاحتفالات لأيتام بورقيبة وبن علي وكلاء الاستعمار… و سنبدأ تحرير أنفسنا من قداسة التاريخ المزوّر…
نقول ذلك لأننا تعلّمنا أنّ الحقّ لا يعطى لمن يسكت عنه وأنّ علينا أن نحدث الكثير من الضّجيج حتى نحصل على ما نريد …
لقد أوهمونا كثيرا أنّ الدّلو ضاع وبقي الحبل … ولكنّنا نعلنها اليوم أنّنا لن ننتحر بحبلهم وأنّ الدّلو لم يضع و ما زلنا ممسكين بالحبل….
رسالتي إلى أعداء الوطن ممّن امتهنوا تزوير التاريخ والاعتداء على الجغرافيا … إنّني من الذين لم يبصقوا في نهر الوطن … إنّ في قوسي أكثر من وتر واحد … و إنّ الحجارة تصبح حيّة في المنحدرات …
انبحوا و واصلوا النّباح …فكلّ الكلاب تنبح ولكن ليست كلّ الكلاب تعضّ …
فقط في ذكرى 20 مارس … لا عيد حتى ترضى أمّ الشّهيد .
و أنتم تعرفون من هي أمّ الشهيد … فالجنوب كان ومازال وسيبقى الاختبار الذي يسقط فيه كل الطغاة والسفهاء .

( الجمعي العليمي )

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: