وطن في المزاد العلني..( كتبه محمد ضيف الله )

حكومة  التكنوقراط تتصرف كما لو أنها ستحكم أبدا، أو كأنها تحظى بجميع الشرعيات التي تكفي إحداها أو بعضها لأية حكومة أخرى، حكومة لم يرفع أي من أصحابها إصبعا ولو كان خنصرا في حضرة الاستبداد النوفمبري، ولم يكن لأي منهم دور خلال الثورة ولا حتى بالادعاء أو مجرد الذكر، ولم ينتخبها الشعب ولا تنوي -بطبيعتها- عرض نفسها عليه، ولا يمكنها أن تدعي أن لها شرعية تاريخية، ولم يأت بها حتى انقلاب مسلح، وليست لها ولو شرعية وراثية كأن تكون من سلالة الحسينيين أو حتى الحفصيين أو بني خراسان.

ومع ذلك، تتصرف كما لو أنه يكفيها شرعية السفارات والهواتف الجوالة والشركات العابرة للقارات حتى تعود بنا من جديد إلى مربع مصطفى بن إسماعيل، وكأن “ثورة الكرامة والديمقراطية” التي قام بها شعبنا لم تكن إلا من قبيل ثورة علي بن غذاهم المغدورة.

وها الحكومة تبدو في عجلة من أمرها، تنفيذا لخريطة لا ندري من رسمها ولا مفتاح لها ولا سُلّم، ولكن نعرف المستفيدين منها جيدا. الرأسمال والشركات العابرة للقارات والهلم جرا عندنا. وإلا فما معنى أن تبدو الحكومة في سباق مع نفسها من أجل بيع ما لا يباع أصلا؟ سهول الوطن وجباله وشواطئه وبحره الصافي وأدغاله.. من الآن فصاعدا يمكن أن تمر ملكياتها مترا مترا إلى أصحاب المال الأجانب، لا تهم معرفة جنسياتهم بقدر ما تهم العملة الصعبة التي يدفعونها.. وها كما سمعناها تقرر تسهيل تملكهم بتقليص آجال الحصول على الرخصة إلى حدود ثلاثة أشهر فقط، والعجيب أن من تعودنا منهم الصراخ يلتزمون الصمت المطبق هذه المرة. وكأن الأمر يهم بوركينافاسو أو مملكة نيبال…

ودون الخروج عن الخريطة نفسها، ها وزير الثقافة يتكلم عن بيع الآثار إلى المستثمرين الخواص، مؤكدا أن ذلك يدخل في “مصلحة المجموعة الوطنية” وأنه سيمضي في القيام به. بمعنى أن أصحاب المال الوفير ممن قامت الثورة من أجل أن يسددوا -على الأقل- ضرائبهم أو ديونهم المتخلدة، سنراهم يتزاحمون على الحصول على متحف باردو جملة وتفصيلا أو موقع كركوان أو شمتو أو بلاريجيا أو سبيطلة… وغيرها من الآثار التي بناها الأجداد طيلة 3000 عام، فإذا الحكومة تضع ثمنها في ميزانية عام واحد، وهو ما يدعو إلى التساؤل بعد ذلك، ماذا تراها ستبيع من أجل تسديد العجز في ميزانية العام الموالي والعام الذي يليه؟ وإذا كانت منجزات شعب طيلة آلاف السنين يمكن أن تعرض للبيع بهذه البساطة، فأي معنى للوطن بعد ذلك عند هؤلاء؟ وأي معنى للوطنية وللاستقلال وللدولة حتى؟ وهل يبقى بعد ذلك شيء قابل للاحتفاظ به؟ بل وما مانع الحكومة من بيع مساحات بقدر قواعد أجنبية في بلادنا؟ وبقدر مزابل للنفايات النووية؟ وبقدر مساحات لتقام عليها مصانع ملوثة لا تقبل بها جمعيات البيئة في البلدان المتقدمة؟ ولا ينقص الحكومة تبرير ذلك بمصلحة المجموعة الوطنية.

ارحلوا.. لا حاجة لنا بكم.

 

محمد ضيف الله

24 ماي 2014

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: