وطن نفسك أنك ممتحن

أحياناً الله عز وجل يسوق شدة هذه الشدة يفرز بها المؤمنون، فلذلك أيها الأخوة فعل الله عز وجل لحكمة بالغة.
﴿ لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ﴾

ووطن نفسك أنك ممتحن، ممتحن فيما أعطاك، ممتحن فيما زوي عنك، أي شيء نلته من الله، نلت علماً ممتحن في هذا العلم، هل تنفقه في سبيل الله أم تتاجر به ؟ ممتحن بالمال هل تنفقه لخدمة المسلمين أم تنفقه للتنعم فقط ؟ ولتستعلي عليهم ؟.

﴿ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ ﴾.
( سورة القصص الآية: 79 ).

ممتحن بالذكاء. هل تستخدم ذكاءك لبيان الحق، أم تستخدم الذكاء لمصالح شخصية ؟ أي شيء نلته من الله أنت ممتحن به، وأي شيء زوي عنك أنت ممتحن به، أنت ممتحن مرتان.

لذلك الإمام الشافعي سُئل: ” أندعو الله بالتمكين أم بالابتلاء، فقال: لن تمكن قبل أن تبتلى “.

 وطن نفسك أيها المؤمن أن هناك مرحلة فيها تأديب، إذا وجدت المخالفات، و التقصير، والتجاوزات، هناك مرحلة التأديب، تأتي المصيبة كعقاب، هناك إنفاق مع التبذير، و منع إنفاق، و بخل، و تقطير، هناك تقصير بالعبادات، يمر المؤمن بمرحلة التأديب، الآن استقام، بعد التأديب استقام، المرحلة الثانية مرحلة الابتلاء، تمتحن وأنت مستقيم، تأتي المصيبة ماذا تقول ؟ المؤمن يقول:

﴿ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾.

( سورة البقرة ).

هذه مرحلة الامتحان، فإذا نجحت في مرحلة التأديب فتبت، وإذا نجحت في مرحلة الامتحان فصبرت، الآن تدخل في مرحلة ثالثة هي التكريم، فأنت بين التأديب، والابتلاء، والتكريم، هذه المراحل قد تكون متداخلة، أي بيوم واحد تأتي مصيبة عقاب و تأديب، و مصيبة امتحان وإكرام، أي تكون متمايزة، في مرحلة معينة أدبك الله حتى استقمت على أمره، مرحلة ثانية امتحنك حتى ثبتّ على الحق، الثالثة تكريم، وطن نفسك لا يوجد حياة من دون ابتلاء.

﴿ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾.

( سورة المؤمنين ).

 

مصائب كشف ينطوي على كمال من أعلى مستوى، هذا الكمال لا يظهر إلا بمصيبة كالطائف، يذهب على قدميه مشياً مسافة تقدر بثمانين كيلو متراً في الجبال، ليدعوهم إلى الله، يصدونه، يكذبونه، يسخرون منه، يغررون صبيانهم أن يضربوه بالحجارة، ويسيل الدم من قدمه الشريف، ويقول يا رب:

(( إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، ولك العتبى حتى ترضى )).

سيد الأنبياء والمرسلين، سيد ولد آدم، حبيب رب العالمين، يُضرب ! والدم يسيل منه، الآن الامتحان: أرسل له ملك الجبال، قال لله:

(( يا محمد أمرني ربي أن أكون طوع إرادتك، لو شئت لأطبقت عليهم الأخشبين )).

[أخرجه البخاري ومسلم عن عائشة أم المؤمنين ].

الجبلين، الآن الله مكنه منهم، مكنه أن يلغي وجودهم، قال:

(( لا يا أخي، اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون )).

دعا لهم بالهداية، واعتذر عنهم، و قال: ولعل الله يخرج من أصلابهم من يوحده، هذه النبوة، ضربوه، وكذبوه، وسخروا منه، ومكنه الله أن ينتقم منهم، قال:

(( لا يا أخي، اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون، لعل الله يخرج من أصلابهم من يوحدك )).

أيها الأخوة، هذه مصائب كشف.
عندك مركبة “مئة و عشرون حصاناً “، هذه القدرة المتناهية لقوة المحرك لا تظهر في طريق مستوِ، ولا في طريق نازل، تظهر في طريق هذه زاويته، وتمشي بسرعة عالية، هذا المحرك لا تظهر قيمته إلا بحالات نادرة جداً.

 

مصائب الأنبياء مصائب كشف، أما مصائب المؤمنين مصائب دفع ورفع، مثلاً هناك تهاون بالعبادات، أو عبادات شكلية، يصلي صلاة صورية، غض بصره ليس حازماً، إنفاقه قليل، يعيش مع الناس، يلهو معهم، مؤمن لكن مقصر، هذا يحتاج إلى مصيبة دفع تدفعه إلى الله، قال تعالى:

﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ﴾.

( سورة البقرة ).

هذه الآية متعلقة بمصائب المؤمنين،

﴿ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ﴾:

﴿ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾.

( سورة البقرة ).

بهذه المصيبة، هذه مصائب دفع، الحالة الثانية: مصائب رفع، أي أنت رضيت أن تكتفي ببناء المساجد، لكن عندك إمكانات كبيرة جداً، يمكن أن تضيف إلى بناء المساجد أن تكون داعية كبيراً، حينما ترضى بعمل صالح متواضع وأنت عندك إمكانات كبيرة جداً، يسوق الله لك مصيبة تجعلك ترفع مستوى عملك، هذه مصائب رفع، مصائب دفع و مصائب رفع آياتها:

﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾:

﴿ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾.

( سورة البقرة ).

 

﴿ لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴾.

أخطر شيء أنك ممتحن، والله ممتحن كل ساعة، وكل دقيقة، ممتحن في كل موقف، الصحابة الكرام امتحنوا في بدر فنجحوا، قال تعالى:

﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ﴾.

( سورة آل عمران الآية: 123 ).

هم أنفسهم، وهم صفوة البشر، ومعهم سيد البشر، في حنين نحن كثر قالوا:

(( ولن يُغْلَبَ اثنا عَشَرَ ألفا مِنْ قِلَّةٍ )).

[أخرجه أبو داود والترمذي عن عبد الله بن عباس ].

اعتدوا بعددهم.

﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾.

( سورة التوبة ).

وطن نفسك أنك ممتحن، وأن الإنسان قد يستطيع أن يخدع معظم الناس لبعض الوقت، وقد يستطيع أن يخدع بعض الناس لكل الوقت، أما أن يخدع الله، أو أن يخدع نفسه لثانية مستحيل.

﴿ بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ﴾.

النابلسي

 

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: