وقفات مضيئة

كلماتي هذه أخطها إليكنّ يا شقائق الرجال .. يا من كان أول من آمن بالإسلام منكن .. و أول شهيد في الإسلام منكن .. و أول من توجه إليها النبي – صلى الله عليه و سلم – بالدعوة منكن ؛ يا من رضيتن بالله ربّاً ، و بالإسلام ديناً ، و بمحمد – صلى الله عليه و سلم – نبيّاً و رسولاً .. و يا من ارتفعتنّ و سمَوْتُنَّ بالإيمان فوق الهوى ، أين أنتن من مسيرة النصرة اليوم ؟ .. و أين أنتنّ من نساء النصرة الأول ؟ .. أين أنتن من اُمِّكُنَّ خديجة – رضي الله عنها – أول امرأة بل أول إنسان في مسيرة النصرة المباركة ؛ نصرة النبي الكريم – عليه و آله الصلاة و السلام – ، و نصرة شرع الله الحكيم ، و المنهج القويم ، كانت للنبي وزير صدق في الإسلام يشكو إليها ، فتواسيه ، و تشد من أزره ، و تهدئ من روعه ، و تصدقه فيما يقول ، فخفف الله بذلك عن نبيه – صلى الله عليه و سلم – ، لا يسمع شيئاً مما يكرهه من رد عليه وتكذيب له فيحزنه ذلك إلا فرج الله عنه بها إذا رجع إليها ، تثبته وتخفف عليه وتصدقه وتهون عليه أمر الناس .. رضي الله عنها و أرضاها .
و كانت معه في شعب أبي طالب وقت الحصار ، محبوسين محصورين مضيقاً عليهم و مقطوعاً عنهم الميرة نحو ثلاث سنين ، حتى بلغهم الجهد و سمع أصوات صبيانهم بالبكاء من وراء الشعب … ، فصبرت و احتسبت . فكان جزاؤها أن كانت من خير نساء العالمين : ” أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد ، و فاطمة بنت محمد ، و مريم بنت عمران ، و آسية بنت مزاحم امرأة فرعون ” [ الألباني السلسلة الصحيحة : 1508 ] ، و أن بُشِّرت ببيتٍ في الجنة لا صخب فيه و لا نصب : ” أتاني جبريل فقال : يا رسول الله ! هذه خديجة قد أتتك معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب ، فإذا هي قد أتتك ، فاقرأ عليها السلام من ربها و مني ، و بشرها ببيت في الجنة من قصب ، لا صخب فيه و لا نصب ” [ صحيح ، الألباني صحيح الجامع : 69 ] . و بقيت ذكراها في قلب النبي الكريم – عليه و آله الصلاة و السلام – ، لم ينسها ، و لم ينس مواقفها الجليلة ، و لا عشرتها الهنية ، فكان دائم الذكر لها و البر برفيقاتها ، حتى أن عائشة – رضي الله عنها – غارت مرة و قالت : ” ما غرت على أحد من أزواج النبي صلى الله عليه و سلم ما غرت على خديجة ، و ما بي أن أكون أدركتها ، و ما ذلك إلا لكثرة ذكر رسول الله صلى الله عليه و سلم لها ، و إن كان ليذبح الشاة فيتتبع بها صدايق خديجة فيهديها لهن ” [ صحيح ، الألباني صحيح الترمذي : 2017 ] ، و قالت : ” كان النبي صلى الله عليه و سلم إذا ذكر خديجة أثنى عليها بأحسن الثناء ، قالت : فغرت يوماً فقلت ك ما أكثر ما تذكرها حمراء الشدقين قد أبدلك الله خيراً منها قال ما أبدلني الله خيراً منها وقد آمنت بي إذ كفر بي الناس وصدقتني إذ كذبنني وآستني بمالها إذ حرمني الناس ورزقني الله ولدها إذ حرمني أولاد النساء أيضاً ” [ إسناده لا بأس به ، ابن كثير البداية و النهاية : 3/126 ] ….. فلك منا يا أمنا كل حب و إجلال و امتنان .
و أين أنتن من سمية ؟ من صبرت على التعذيب برغم أنوثتها فلم تهن تحت مطارق المحنة و الفتنة ، و لاقت ما لاقت من العنت و الألم و الشدة و الضر على أيدي زبانية قريش ، فكان السلوان : ” صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة ” [ حسن صحيح ، الألباني فقه السيرة : 103 ] ، إلى أن فاضت روحها إلى بارئها تشهد بأنها أول من قتل في سبيل نصرته و نصرة شريعته .. فأية عزة هذه .. و أي فخر .. و أية كرامة !! .. و أي استعلاء و ترفع عن عالم الطين .. فهذا هو الطريق : إيمان و جهاد .. و محنة و ابتلاء .. و صبر و ثبات .. و توجه إلى الله وحده ، ثم يجيء النصر ، ثم يجيء النعيم . يقول سيد قطب – يرحمه الله – : (( إن الصراع و الصبر عليه يهب النفوس قوة ، و يرفعها على ذواتها ، و يطهرها في بوتقة الألم ، فيصفو عنصرها و يضيء ، و يهب العقيدة عمقاً و قوة و حيوية، فتتلألأ حتى في أعين أعدائها و خصومها ، و عندئذٍ يدخلون في دين الله أفواجاً كما وقع ، و كما يقع في كل قضية حق ، يلقى أصحابها ما يلقون في أول الطريق ، حتى إذا ثبتوا للمحنة انحاز إليهم من كانوا يحاربونهم ، و ناصرهم أشد المناوئين و أكبر المعاندين . على أنه – حتى إذا لم يقع هذا – يقع ما هو أعظم منه في حقيقته ، يقع أن ترتفع أرواح أصحاب الدعوة على كل قوى الأرض و شرورها و فتنتها ، و أن تنطلق من إسار الحرص على الدعة و الراحة ، و الحرص على الحياة نفسها في النهاية .. و هذا الانطلاق كسب للبشرية كلها ، و كسب للأرواح التي تصل إليه عن طريق الاستعلاء ، كسب يرجح جميع الآلام و جميع البأساء و الضراء التي يعانيها المؤمنون ، المؤتمنون على راية الله و أمانته و دينه و شريعته، و هذا الانطلاق هو المؤهل لحياة الجنة في نهاية المطاف .. و هذا هو الطريق كما يصفه الله للجماعة المسلمة الأولى ، و للجماعة المسلمة في كل جيل )) .
و أين أنتن أخواتي من ذات النطاقين – أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها – ؟ من كانت تأتي النبي – عليه و آله الصلاة و السلام – و أبيها أبي بكر – رضي الله عنه – بما يصلحهما من الطعام كل مساء ، و هما في غار ثور في طريق الهجرة من مكة إلى المدينة ، و تحملت العنت و المشقة و هي تقطع تلك المسافة ذهاباً و إياباً !! . عن أسماء قالت : (( صنعت سفرة النبي صلى الله عليه وسلم في بيت أبي حين أراد أن يهاجر، فلم أجد لسفرته ولا لسقائه ما أربطهما ، فقلت لأبي : ما أجد إلا نطاقي ، قال : شقيه باثنين فاربطي بهما ، قال : فلذلك سميت ذات النطاقين )) . و قالت – رضي الله عنها – : (( لما توجه النبي صلى الله عليه وسلم من مكة حمل أبو بكر معه جميع ماله ، خمسة آلاف أو ستة آلاف ، فأتاني جدي أبو قحافة ، وقد عمي ، فقال : إن هذا قد فجعكم بماله ونفسه ، فقلت : كلا ، قد ترك لنا خيراً كثيراً . فعمدت إلى أحجار فجعلتهن في كوة البيت ، وغطيت عليها بثوب ، ثم أخذت بيده ووضعتها على الثوب فقلت : هذا تركه لنا ، فقال : أما إذ ترك لكم هذا فنعم )) . و عنها أنها قالت : (( لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه أتانا نفر من قريش ، فيهم أبو جهل بن هشام ، فوقفوا على باب أبي بكر فخرجت إليهم فقالوا : أين أبوك يا بنت أبي بكر ؟ قالت قلت : لا أدري والله أين أبي ؟ قالت فرفع أبو جهل يده وكان فاحشا خبيثاً ، فلطم خدي لطمة طرح منها قرطي )) .. فأية عقيدة هذه التي كانت تحملها و أي إيمان و جلد في سبيل نصرة الله و رسوله !! .
و هذه الخنساء مثال مشرق يصدح بالأنوار في مسيرة النصرة ، قدمت أولادها الأربعة في معركة القادسية تحرضهم على القتال و عدم الفرار لتفخر بهم بعد أن احتسبتهم من الشهداء .. فأي أُمٍّ هذه ، و أي إيمان و يقين في قلبها ؟!! .
و نـرى ذات الـنـطاقين التي
و نـرى الـخـنساء في إيمانها
هي رمز الصدق و الصبر المتين
كـالـرواسي في ثبات لا تلين
و هذه أم عمارة نسيبة بنت كعب المازنية – رضي الله عنها – ، التي بايعت مع من بايع رسول الله – صلى الله عليه و سلم – بيعة العقبة الثانية ، و هي تعلم أنها إنما تبايع الله بيعة لا تنقطع بغيبة رسول الله – عليه و آله الصلاة و السلام – عنهم ، فهو حين يضع يده في أيديهم مبايعاً ، فإنما يبايع عن الله : ﴿ إِنَّ الَّذينَ يُبايِعونَكَ إِنَّما يُبايِعونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْديهِمْ .. ﴾ .. { الفتح : 10 } (( و هو تصوير رهيب جليل للبيعة بينهم و بين رسول الله – صلى الله عليه و سلم – ، و الواحد منهم يشعر و هو يضع يده في يده ، أن يد الله فوق أيديهم ، فالله حاضر البيعة ، و الله صاحبها ، و الله آخذها ، و يده فوق أيدي المتبايعين . و إن هذه الصورة لتستأصل من النفس خاطر النكث بهذه البيعة – مهما غاب شخص رسول الله صلى الله عليه و سلم – فالله حاضر لا يغيب ، و الله آخذ في هذه البيعة و معط ، و هو عليها رقيب )) .
ها هي نراها تدافع و تصد عن رسول الله – صلى الله عليه و سلم – و نصرة لدين الله ، فقد شهدت أحداً هي وزوجها وابناها ; وخرجت معها شن لها في أول النهار تريد أن تسقي الجرحى ، فقاتلت يومئذ وأبلت بلاءً حسناً ، فجرحت اثني عشر جرحاً بين طعنة برمح أو ضربة بسيف .
و ها هي تحكي قصتها و تقول : (( قد رأيتني وانكشف الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فما بقي إلا نفير ما يتمون عشرة وأنا وابناي وزوجي بين يديه نذب عنه والناس يمرون به منهزمين . ورآني لا ترس معي ، فرأى رجلاً مُوَلِّياً معه ترس فقال يا صاحب الترس ألق ترسك إلى من يقاتل فألقى ترسه فأخذته فجعلت أترس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم )).
و ها هو ابنها عبد الله بن زيد يقول : (( شهدت أحداً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما تفرق الناس عنه دنوت منه وأمي تذب عنه فقال يا ابن أم عمارة قلت : نعم . قال ارم فرميت بين يديه رجلاً من المشركين بحجر وهو على فرس فأصبت عين الفرس فاضطرب الفرس حتى وقع هو وصاحبه وجعلت أعلوه بالحجارة حتى نضدت عليه منها وقرا ، والنبي صلى الله عليه وسلم ينظر ويتبسم فنظر إلى جرح بأمي على عاتقها فقال أمك ، أمك اعصب جرحها ، بارك الله عليكم من أهل بيت مقام أمك خير من مقام فلان وفلان ومقام ربيبك – يعني زوج أمه – خير من مقام فلان وفلان . ومقامك لخير من مقام فلان وفلان رحمكم الله أهل البيت قالت ادع الله أن نرافقك في الجنة . قال اللهم اجعلهم رفقائي في الجنة . قالت ما أبالي ما أصابني من الدنيا )) .
و قال أيضاً : (( جُرحت يومئذ جرحاً في عضدي اليسرى ، ضربني رجل كأنه الرقل ولم يعرج علي ومضى عني ، وجعل الدم لا يرقا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اعصب جرحك . فتقبل أمي إلي ومعها عصائب في حقويها قد أعدتها للجراح فربطت جرحي والنبي صلى الله عليه وسلم واقف ينظر ثم قالت انهض يا بني فضارب القوم . فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول ومن يطيق ما تطيقين يا أم عمارة ؟ قالت وأقبل الرجل الذي ضربني ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا ضارب ابنك قالت فأعترض له فأضرب ساقه فبرك فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم تبسم حتى بدت نواجذه ثم قال استقدت يا أم عمارة ثم أقبلنا إليه نعلوه بالسلاح حتى أتينا على نفسه . قال النبي صلى الله عليه وسلم الحمد لله الذي ظفرك وأقر عينك من عدوك ، وأراك ثأرك بعينك )) .
و هذا ابنها حبيب بن زيد الذي أخذه مسيلمة الكذاب الحنفي ، صاحب اليمامة ، فجعل يقول له أتشهد أن محمداً رسول الله ؟ فيقول نعم فيقول أفتشهد أني رسول الله ؟ فيقول لا أسمع فجعل يقطعه عضواً عضواً حتى مات في يده لا يزيده على ذلك إذا ذكر له رسول الله صلى الله عليه وسلم آمن به وصلى عليه وإذا ذكر له مسيلمة قال لا أسمع ، فخرجت إلى اليمامة مع المسلمين فباشرت الحرب بنفسها ، حتى قتل الله مسيلمة .
و قد أُتي عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – بمروط فكان فيها مرط واسع جيد فقال بعضهم إن هذا المرط لثمن كذا وكذا ، فلو أرسلت به إلى زوجة عبد الله بن عمر صفية بنت أبي عبيد – وذلك حدثان ما دخلت على ابن عمر . فقال أبعث به إلى من هو أحق منها ، أم عمارة نسيبة بنت كعب . سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد يقول ما التفت يميناً ولا شمالاً إلا وأنا أراها تقاتل دوني .
فلله دَرُّ هذه المرأة ما أعظمها ، و لله در تلك الصحابيات اللواتي تربين في مدرسة النبوة و كانت لهن تلك المواقف المشرقة في مسيرة النصرة المباركة .
فأين نحن اليوم أخواتي المؤمنات من هؤلاء النساء الرائدات ، و ماذا قدمنا نصرة لله و رسوله – عليه و آله الصلاة و السلام – ؟ ، سؤال لابد من طرحه استثارة للهمم و تذكيراً بالدور الكبير الملقى على عاتق كل مسلمة ، فانهضي أختاه .. و شقي طريقك .. و خذي موقعك في هذه المسيرة المباركة ، فأمتنا تنتظر منا الكثير ، و تحتاج منا الكثير .
أخـتاه معترك المصير يشدنا
مُدّي يد الإسعاف نحو جراحنا
أبداً إلى الغمرات في الميدان
لا تـبخلي بلطائف الإحسان
فإليك يا ابنة خديجة و أسماء و سمية ، و يا من فاطمة الزهراء قدوتها ، و يا من تُعقدُ عليها آمال و أماني ، كانت هذه الكلمات ، و هذه الوقفات المضيئة مع نساء النصرة الأول ، فكوني خير محضن لأشبال الدعوة .. و خير مدرسة لتربية النشأ المسلم .. و خير نبع لمعاني التضحية و الفداء .. فمن بين يديك يخرج الرجال المؤمنون الذين سيعيدون المجد ، و يحررون الأرض ، و يسترجعون الكرامة بإذن الله تعالى .
يا ابنة الإسلام يا نسل الأول سطّروا الأمجاد بالفتح المبين
فتَّحوا الأقفال في وجه الضحى أسعدوا الإنسان في دنيا و دين
فجَّروا تلك الينابيع التي تستقي منها قلوب المؤمنين
بَشِّري يا أُخْتُ بالفجر الذي سوف يأتي في عيون القادمين
اللهم أعِنّا على نصرتك و نصرة نبيك و نصرة شريعتك ، و عاملنا بفضلك و برفقك .. اللهم آمين ، و الحمد لله رب العالمين .

 

 

لبنى شرف

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: