” وهم ضرورة اللجوء للاستثمار الخارجي ” … بقلم الناشط السياسي مراد شيخاوي

يكاد يكون تشجيع الإستثمار الخارجي في تونس لامشروطا في تناقض صارخ مع موقف الدول الأخرى  التي، إن لم تُخضعه مباشرة للضريبة (تايلاند، البرازيل)، سمحت له بالنشاط مع الكثير من الاحتياط (كوريا الجنوبية والصين والهند).

ماذا أضافت هذه الاستثمارات ؟ :

هي تدفق حينيّ للعملات الأجنبية يَنتُج عنه تضخّم للعملة المحلية يتبعها انخفاض للقدرة التنافسية على المستوى الدولي،وفي نهاية المطاف هي خروج النقد الأجنبي من البلد عند إعادة رأس المال والأرباح مما يؤثر سلبا على ميزان الدفوعات.

إن المبلغ الجملي للأرباح المبدّلة بالعملة الصعبة قصد ترحيلها بلغ مستوى 2.5 مليارات من الدنانير  في سنة 2012.

قراءة للأرقام الصادرة عن وكالة النهوض بالاستثمار الخارجي:

بمتابعة الأرقام الصادرة عن وكالة النهوض بالاستثمار الخارجي (معطيات من سنة 2007 إلى سنة 2013)،نرى أن تدفق الاستثمار الخارجي يحصل بمعدل 2250 مليون دينار تقريبا كل سنة، و بالنظر إلى نسب تدفق الاستثمارات حسب القطاعات، نلاحظ أن قطاع الطاقة يحظى بالنصيب الأوفر (بمعدل 60 % تقريبا) يليه قطاع الصناعات المعملية (بمعدل 25%  تقريبا).

و هذه القطاعات لا تدر على البلد العملات الأجنبية بحيث أن أرباح قطاع الطاقة ترجع تقريبا كلها إلى المؤسسات الأجنبية المستثمرة و أن قطاع الصناعات المعملية موجّه نحو منتوجات الاستهلاك الداخلي أو هو مجرد تحويل لمواد يتم استيرادها ثم إرجاعها إلى الدولة الأم في صيغة منتوج نهائي.

و إذا كانت هذه الاستثمارات الخارجية غير منتجة لسلع تدر العملات الأجنبية، فهل هي على الأقل منتجة لمواطن شغل ؟  :

إن مواطن الشغل الناتجة عن الإستثمار الخارجي (خارج قطاع الطاقة)لا تعكس ضخامة الإستثمارات و لا تفي بتقليص نسبة البطالة بالبلاد. فمعدل الوظائف الناتجة عن المؤسسات الأجنبية هو بحدود 100 وظيفة عن كل مؤسسة، أغلبها متركز في قطاع الصناعات المعملية بنسبة تقارب 85 %.

الاستثمار الخارجي: بين ضخامة الرهانات وتواضع النتائج :

إن المراهنة الرسميّة للحكومات المتتالية على الاستثمارات الأجنبيّة لدفع النمو الاقتصاديّلم تمنع الاختلال الجهوي وتفاقم البطالة. فطبيعة الاستثمارات الخارجية في تونس منحصرة في قطاعات معينة (الطاقة والاتصالات والمقاولات والبنوك ) دون أي اعتبار لاستراتيجيات ومخططات التنمية للبلد.

فالدول الغربية و بناءً على نظرتها الاستعمارية في السياسة الخارجية ترسمالخططلتبقىالدولالأخرىتابعة صناعياًلهاوسوقالتصريفصناعاتهاومنطقةنفوذوهيمنة لها. ومنالأساليبالخبيثةالتييضعونهالبلادناكيتبقى متخلفةصناعياًولاتتمكنمنأنتبنينفسها عدمالسماحبنقلالتكنولوجياإلافيمايمكنالبلاد مناستيرادمنتجاتالغربواستعمالها دون جعل الدولالمتخلفةتستوعبالتكنولوجياإلىحديمكنها منإقامةالصناعاتالثقيل، وإشغالالبلادفيأنواعمنالصناعات تستنفد الطاقاتوتهدر الوقتوتوجدعند الناسنوعاًمنالترفيبعدهمعنالجدوالاجتهادفيإيجادالصناعاتالثقيلةأوحتىالوسيطة وإيجادنمطجديدللتصنيعفيالبلادوهومايسمى بالصناعة العابرة التيتتخذمنبلادنامحطةللإنتاجفحسب إذتستوردأغلب عناصرهالتعيدتصديرها بعدإدخالقدرمن التصنيععليه.

إذن فإنّ المراهنة على الاستثمارات الخارجيّة ليست سوى تسليما بالعجز عن الإصلاح والبناء أو هو خدمة لمصالح الغرب.حيث أن فكرة الاستثمار الاجنبي هي فكرة سياسية اقتصادية مغلوطة أوجدها الغرب و أوهم بها السياسيين و الاقتصاديين من أبناء الأمة للمحافظة على سيطرته على بلاد الاسلام لأن مثل هذه الأفكار لا تستسيغها إلا دول تابعة. و للخروج من هذه التبعية كان لا بد من أفكار سياسية و اقتصادية نابعة من الإسلام و وجهة نظره في الحياة.

و بناءً على ما تقدم ذكره و حيث أن واقع الحال يبرز جليا أن المشاريع الأجنبية المركزة في تونس تستنزف الموارد الطبيعية دون الرجوع بالمنفعة على البلد. فمن باب أولى أن يكون استغلال هذه الموارد بصفة ذاتية و الانتفاع من مرابحها لتمويل مشاريع إنتاجية بناءً على وجهة نظر الأمة في الحياة أي بناءً على الاسلام.

فالسياسة الصناعية في الاسلام تقوم على جعل البلاد من البلاد الصناعية و لا يتأتى ذلك إلا بالبدء بصناعة الآلات أولا و قبل كل شيء ثم السعي إلى عدم القيام بإيجاد أي مصنع إلا من الآلات المصنوعة في البلاد. أما القول بأن إيجاد صناعة الآلات يحتاج إلى وقت طويل فهو قول مغلوط و هو دسيسة يراد منها تعويق صناعة الآلات و صرف البلاد إلى الصناعات الإستهلاكية حتى تظل سوقا لمصانع الغرب.

طريقة تمويل المشاريع الإنتاجية :

إن تمويل المشاريع الإنتاجية ليس في حاجة البتة إلى استثمارات خارجية مباشرة أو حتى غير مباشرة فتمويلها يتم من طرف الدولة وفقا للسياسة الصناعية للبلد.

فإن كانت هذه المشاريع مما لا يحصل للأمة ضرر من عدم القيام بها فإنهاتُموّل بالأموال الزائدة عن الحاجات الضرورية.

أما إذا كان عدم القيام بهذه المشاريع الانتاجية يوقع الضرر بالأمة كما هو حالنا الآن فإن عدم وجود مصانع الآلات لدينا يجعلنانعتمد في صناعاتنا على الدول الغربية وهذا ضرر من أفظع الأضرار فوجب على الدولة أن تقوم بإيجاد هذه المصانع سوى وجد لديها مال أم لم يوجد.

فإن وجد للدولة مال كما هو حالنا إذا أحسننا التصرف في في مواردنا الطبيعية وجب أن تصرف الأموال من عائدات هذه الموارد على إقامة هذه المشاريع و إن لم يوجد للدولة مال فرضت ضرائب على المسلمين بقدر يكفي لإقامة هذه المشاريع على الوجه الذي يزيل الضرر.و للمباشرة بالعمل فورا لا مانع من أن تقوم الدولة بالإتصال بالدولة الأجنبية و بالشركات الكبرى للحصول على التسهيلات الائتمانية التي تعني استيراد الآلات و الأدوات و المواد اللازمة للمشاريع الانتاجية بثمن مؤجل على أن يكون بمعاملة بيع لا بمعاملة ربا و هذا يساعد على بدء المشاريع و السير بها لحين يتم جمع الضرائب.

 

مراد شيخاوي – ناشط سياسي في صفوف حزب التحرير –

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: