وينو_البترول ( بقلم الدكتور محمد ضيف الله)

في البلدان العربية المصدرة للنفط الوضع ليس أفضل منه عندنا، هذا مؤكد. ففيها الفقر والجوع والجهل والمرض والأمية والبطالة، زائد الفساد والاستبداد الخ الخ. بمعنى هناك كل ما نعانيه وأكثر. الشعوب التي تتقدم هي التي تعوّض ما ينقصها من ثروات طبيعية، بالعمل والكد والجد والجهد. بمعنى أن العمل هو أصل الثروة. لكن هذا لا يعني التسليم في ثرواتنا الطبيعية. المسألة تتعلق ببسط السيادة الوطنية وهذا لا مجال للنقاش فيه. بسط السيادة على البر والبحر والجو بما فيها من ثروات طبيعية، والثروات الطبيعية ليست البترول فقط أو الفسفاط فقط، وإنما غيرها مما لا يدخل تحت حصر وصولا إلى اليورانيوم، وما أدراك ما هو، وقد تم الإعلان عنه في الستينات، وهو في حد ذاته ملف قائم الذات.

[ads1]

 وفي هذا الإطار، فإن حملة #وينو_البترول لا تعني البترول فقط، وإنما كل الثروات الطبيعية. كما أنها تعني إشراك الشعب في مراقبة شؤونه، في الاقتصاد كما في السياسة، وخلاف ذلك فإن السيادة تتحول إلى مجرد كلام بلاتوهات وبرامج انتخابية. فوق ذلك فإن هذه الحملة تعني تنزيل المبادئ التي نص عليها الدستور على أرض الواقع، حرية التعبير، الحوكمة الرشيدة، مكافحة الفساد، الشفافية… أو في أقل تقدير فإن الدستور ينص في فصله 32 على ما يلي: “تضمن الدولة الحق في الإعلام والحق في النفاذ إلى المعلومة”. نعم “الحق في النفاذ إلى المعلومة”. ولم يستثن منها الثروات الطبيعية بطبيعة الحال.

وإزاء ذلك، فالغريب الصمت الذي تلتزمه الأحزاب السياسية ومن تعوّدنا على وجوههم من الحريصين على الحوكمة الرشيدة والشفافية ومقاومة الفساد والخبراء في الطاقة الخ، والأغرب من ذلك الصمت ردود الأفعال التي تحولت إلى ما يشبه حملة مضادة، حيث ارتفعت الأصوات بين مستهجن ومستهزئ وساخر وشاتم ومندد، حتى قال أحدهم إن الحملة “مشبوهة تقودها أياد وأطراف يريدون تعطيل عمل الحكومة”. وقال آخر إن الحملة “يستعملها شعب أضاع كل شيء” وتساءل مستنكرا “وينو ماذا أيها الأبله”. بل أن أحدهم هبط من عليائه الوزارية لينعت المشاركين في الحملة بالغباء والحمق. وأضاف متأكدا “أن تونس لا تملك بترولاً ومن يشكك في ذلك فليذهب إلى الصحراء ويحفر بنفسه” (كذا). وأنتم ما الذي أزعجكم إلى هذا الحد؟

 جائز أن تكون تونس بلا بترول كما قال الوزير، ولكن ألا يجوز أن يقع إدراج الحملة ضمن حرية التعبير؟ وأيضا وخاصة ضمن الممارسة المواطنية؟ ولماذا اللجوء إلى العنف اللفظي في الرد على مواطنين يريدون معرفة الحقيقة؟ ألا يكشف ذلك أسلوبا قديما في الحكم ونزعات استبدادية كامنة؟ الأكيد في كل الحالات أن ردود الأفعال تلك لا تقود إلا إلى تقوية الشكوك حول الموضوع، وكأن أصحابها يتسترون على أشياء لا يريدون أن يعرف بها الجمهور. وهذا ما يمكن اعتباره ضمن نجاحات الحملة. ويضاف إليها أنها كشفت عن وجود يقظة مستمرة واستعداد للتصدي ولمواصلة النضال بأشكال جديدة وحول محاور متجددة. وجميعها نجاحات على الحساب.

أما بعد #وينو_البترول

محمد ضيف الله

28 ماي 2015

 

 

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: