و فشل الانقلاب…./ بقلم حمادي الغربي

لا ينسى الشارع السياسي الدموع التي ذرفت بالمجلس التأسيسي في مستهل السنة الجديدة و كان أشهرها و أحرها : دموع منجي الرحوي التي أبكت النسوة . و دموع الشيخ راشد الغنوشي التي تأثر لها ألاف الإسلاميين على صفحات الفاسبوك . و لكن شتان بين دموع و دموع و إن كان لكل منهما أسبابها و مبرراتها… و هذه الدموع الحارة تحمل في طياتها أسرار ليلة التوقيع على الدستور و تبرر دوافعها الحقيقية . صفحات الدستور في ذاتها لم تكن بالمعجزة الخارقة و لا بالانجاز الذي يستدعي الطيران فرحا و لا حتى الفصول التي وجد فيها كل تونسي مبتغاه… و كل حزب مراده… و كل تيار سياسي كان يعتقد انه الرابح في حصيلة الدستور لانه بصراحة دستور قابل للتأويل و التحوير على المقاس الذي سيرتديه قارئه و حتما سيجد اختلافات عديدة عند التطبيق و مصادمات حادة بين الفرقاء ، و حتى المجتمع الأوروبي كان اكثر الناس بهجة بالدستور التونسي الذي وصفه البعض بأنه يتميز على بعض دساتير الدول الغربية و هو حقيقة ما أوصلهم إليه بنود الدستور من فهم و استيعاب و أضيف هنا إذا سمح لي القارئ بالقول : أن أي مخلوق يمشي على كوكبنا هذا يمكنه ان يجد في الدستور التونسي ما يبحث عنه بل حتى الشيطان له نصيب من دستورنا الموقر . صياغة دستور إثر ثورة عارمة أسقطت أعتى دكتاتورية في العالم العربي تستحق لدستور يليق بشهدائها و تضحيات شبابها و صبر شعبها الباسل إلا ان الملاحظ أن ابناء حركة النهضة كانوا أكثر فرحة من غيرهم في حين بدأ الوسواس الخناس يدغدغ أذهان المعارضة الذين أعلنوا و كالعادة و حتى قبل تشكيل الحكومة الجديدة بالعمل على إسقاطها أو عدم إعطاءها الثقة لأنهم ببساطة لا يستطيعون العيش تحت سماء الحرية لأنها ستعريهم و تكشف سوءتهم و بالتالي يفضلون العمل من وراء حجاب و من خلف أقنعة و في مكاتب البوليس السياسي . المؤاخذات على الدستور التونسي أيضا أنه تمت صياغته تحت فلسفة سياسة التوافق و أحيانا المجاملات و أحيانا أخرى : أعطني أعطيك ، و مرات بالصفقات و مرات أخرى :- خذ وهات- و كانت قسمة بين الأحزاب و لكنها قسمة ضيزى و أسوأ ما يؤاخذ على طريقة صياغة الدستور أنه تم تحت الضغط النفسي و الانفعال الشديد الذي يمنع فيها صاحبها بالقضاء بين خصمين ناهيك عن صياغة دستور ينظم حياة عشرة مليون تونسي . حكومة الترويكا اختارت الطريق الصعب و كانت أكثر تعقلا و شعورا بالمسؤولية و إن كان ذلك على حسابها و لا يعني البتة إعفائها من أخطائها الجسيمة منذ توليها ادارة الحكم و تهاونها في تفعيل القانون الى درجة أن اتهمها أنصارها بالخوف و الانبطاح مما دفع المعارضة الى الضغط و الدفع نحو المجهول لاسقاطها الا أن حكمة بعض القادة كما سوقها أتباعهم انتصرت على فوضى المعارضة التي ما استسلمت على اسقاط الحكومة منذ رئاسة حمادي الجبالي و الاضراب العام للاتحاد العام التونسي للشغل و عمليات إغتيال بلعيد و براهمي و لما فشلت هذه المحاولات التصادمية الدموية غيرت المعارضة استراتيجيتها و بدلتها من انقلاب دموي الى انقلاب حواري توافقي و قبلت النهضة بقواعد اللعبة و لكنها كانت أكثر ذكاء و أشد مكرا و خرجت بأقل الخسائر فكان انقلاب إداري توافقي الى حين ، و ما كان الدستور سوى مشروع دستور لتقسيم الأدوار و تهدئة الأجواء و إعادة ترتيب الأوراق من جديد و أنقذت حركة النهضة تونس من انقلاب دموي شبيه بمصر الى انقلاب توافقي على شاكلة الدستور التوافقي و لذلك يقرئ المتابع أبعاد دموع منجى الرحوي التي تستعجل و تؤجج النفوس للانقلاب الدموي الذي خاب و خسأ و نقرأ في دموع الشيخ راشد رسائل انتصار الحكمة على السيف رغم مرارة النتيجة و عدم الثقة في الطرف الثاني الذي يعض أطراف بنانه حسرة على خيبته رغم العدة و العداد و المال الحرام الوفير ، إلا أنه في اعتقادي لن يستسلم لخيبة الأمل بل سيحاول الكرة تلو الكرة الى أن يخيب الله ظنه و يفرح المؤمنون بنصر الله و لهذه الأسباب كانت فرحة حركة النهضة عشية توقيع الدستور بتفويت فرصة الانقلاب .

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: