image

يأكل الطعام و يمشي في الأسواق (سامي براهم)

تحتار و أنت تجلس أمام الشاشة لتشاهد رئيس دولتك أمام منشط فرجوي فلسفة برنامجه قائمة أساسا على الارباك و الاستفزاز الإعلامي و كشف مدى الانسجام في خطاب ضيفه و مدى هدوء أعصابه و محافظته على اتزانه و قدرته على عدم الوقوع في زلات اللسان مما يستدعي حضور البديهة أمام الأسئلة المفاجئة الذكية أحيانا و غير المتوقعة و البليدة و الركيكة و المربكة أحيانا أخرى ، و تتزايد الحيرة عندما يكون رئيسك عنيدا و يصرّ على أن يجمع بين صفة الرئيس و ابن الشعب البسيط و المثقف و الحقوقي و الثوري و المناور و الطوباوي و البراجماتي و الجدّي و الحميمي … و هي صفات لا يمكن الجمع بينها الا لشخصيات خارقة للعادة و للطبيعة البشريّة النزاعة للتجانس و التماثل ،
ربما لم ينجح الرّئيس في الاستجابة لانتظارات هويتنا البصرية و الصورة النمطية التي ترسخت في مخيالنا عن الرّئيس ، بل استفز كلّ مخزوننا الثقافي و ذاكرتنا البصرية و مرجعيتنا المعيارية عن الحاكم ، و انطرح أمامنا مثل كل مواطن بسيط يعبّر عمّا يخالج نفسه و ينافح عن حقه أو رئيس منظمة حقوقية يدافع عن حق منظوريه ، لكن منظوريه هذه المرة هم شعب بأكمله تتنازعه أفكار و ايديولوجيات و مصالح و مواقع و هواجس و أشواق و تخوفات و أحلام و انحيازات في كل الاتجاهات ،
كيف يمكن أن نتقبل ارتماء هذا الرّئيس وسط زحام الجموع و انطراحه بينهم أعزل عن حجابه و خدمه و حشمه و عسسه ، و قد تعودت ذائقتنا السياسية على رئيس مصنوع إعلاميا ، مسطر بالمسطرة و مدور بالبركار ، ابتسامته مسطرة ، حركاته سكناته مشيته التفاتته كلها بحساب و ميزان و مقدار و قياس ، يختار من يحاوره ، و يعدّ مهندس اللقاء و بشكل مسبق و مدروس الأسئلة و الأجوبة و الإخراج ، و يمنتج و يقطع و يلصق ، ثم يرسل الحصة للتلفزة مرفقة بقرار العرض في التوقيت المختار و ذلك حتى تخرج صورة الرّئيس في أبهى حُلّة و أكثر إبهارا و إقناعا و هيبة و قوة و سطوة و إرهابا في قلوب الشعب ،
أين رئيسنا الحالي من كلّ ذلك و قد ذهب برجليه ليجلس وراء صحفي يحدّد مسار حواره و يختار أسئلته و طريقة طرحها و استدراج ضيفه الرّئيس لمناطق فقدان التوازن و الارتباك ؟
نعم لقد فشل المرزوقي فشلا ذريعا في إقناعنا بمطابقة صورته لصورة الرّئيس التي اختزنتها ذاكرتنا ، فانبرى يتحدث على سجيته كأي شخص يسارّ صديق أو مثقف في محاضرة … يضحك ، يقهقه ، يحكي ، يقسم برحمة أمه ، ينفعل ، يتوتّر ، يتشنج ، يمسك أعصابه ، يتحدث بعقلانية تارة و برومانسية و عاطفية تارة أخرى ، ثوري ، مثقف ، حقوقي ، يحترم واجب التحفظ ، يكتم أسرار الدولة ، يناور ، نرجسي واثق تارة ، متواضع و بسيط تارة أخرى ،
حصيلة كل ذلك هل يجب أن نختار رئيسا يستجيب لانتظاراتنا الدفينة التي راكمتها قرون الاستبداد منذ عصر الحكم السلطاني حتى سنوات الزعامة و الحكم الفردي و الرّئاسة المؤبدة أو نغير نحن انتظاراتها و نحرّر مخيالنا ممّا علق به من صور نمطية و نتصالح مع صورة رئيس ليس الا بشرا يأكل الطعام و يمشي في الأسواق ؟

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: