” يوميات من وطن الشرفاء ” / تونس ما بعد الثورة …( بقلم رمزي الهويدي)

اٍستيقظ الشيخ الهرم المسكين على صوت هبة ريحٍ صَفْصَفٍ عاتيةٍ مصحوبة بأمطار تتساقط كأنها تريد أن تغسل أوراق الأشجار و الأعشاب الخضراء بعد أن تجاوز موسم الخريف نصفه الأول بقليل .. كان ذلك الرجل المسكين يسكن مسكنا بالكراء في تلك الربوع البعيدة ،حيث اٍختلط عطر الأزهار بأشعة الشمس التائهة،هناك بين صخور الجبال الشامخة و رمال الصحاري و معازف الرعاة التي تئن بالمآسي والانكسارات والفقر المتقع .. حمل المسكين نفسه في ذلك الصباح الباكر بعد أن ألقى نظرة على أبنائه الأربعة، وهم لا يزالون نيام في زاوية الغرفة المجاورة .. ظل واقفا برهة من الزمن بِمَسْكَنَةٍ تحت المطر المُتَصَبِّبِ بسخاء من أديم السماء ، كان شيخنا أعزلا مجردًا مثل المعدم من كل شيء حتى من ظله مستميتا في المحافظة على ابتسامة الكبرياء التي كانت دومًا تتدلى من شفتييه على مدى السنين الماضية و منذ زمن بعيد ..

ظل المسكين جالساً على أحد مقاعد الشارع المنتشرة على الأرصفة حيث حالفه الحظ في الجلوس على كرسي خالي في ركنه المعتاد على الرصيف بجوار أحد الأكشاك في اٍنتظار قدوم الحافلة ككل صباح دون أن يفارقه الأمل حالما بيوم جديد أحسن من ذي قبل ، متأملا لدفء مرتقب وسعادة قادمة حين يصفو الجو ليبني كوخا جديد وعد به أبنائه ذات يوم .. بعد وقت قصير وقفت الحافلة على الجانب الأيسر للطريق ، كانت كعادتها ممتلئة ببني جنسه البؤساء .. لكنه كان الأكثر بؤسا بينهم ، كان شعره الأسود الخشن أقصر من ذي قبل و كان قميصه المهترىء مجرد محاولة فاشلة لستر ملابسه المرقعة .. كانت عيونه مازالت تلتمع ببريق رغبة يائسة في البحث عن قوت أبنائه ..

كان المسكين في طريقه إلى تلك المدينة التي كانت عاصمة لدولة نخرتها “الأرستقراطية”المقيتة و التي كانت مزيجا بين اٍنتهازيين يستغلون فقراء البلد و بين طبقة وسطى تعيش لتأمين راحة “بورجوازية المدينة” .. كان شيخنا المسكين و هو في الطريق يتخيل بأنه رأى لوحه في جانب الطريق قد كتب عليها ” لا للفقر ، لا للتهميش ضع صوتك للرقم 07 و ستنعم بالخيرات” كان الرقم غير غريب على ذاكرة هذا الشيخ الأمي الذي قرأ الرقم وعجز عن فهم حروف الجملة !! .. تكررت اللوحه أكثر من مره أصابه الملل من هذه اللوحات الغير مفهومة بالنسبة لرجل لا يقرأ و لا يفهم مثل حاله .. لكن ما بقي بذهنه هو ذلك الرقم الذي رافقه لأكثر من عشرين سنة .. !!!

كان الشيخ غافلا فلا يعي ما يدور حوله .. كان الجميع ينفره و لكنه يقف عاجزا عن صد نظاراتهم .. لكنه كان يضحك بداخله قهرا لأن ذاكرته كانت اقوى من ذاكرتهم لأن الوطن الذي كان يسكنه كان يتوسط حدقات عينيه وشغاف قلبه رغم عدم غياب حقه داخله و بؤس معيشته وسط ربوعه .. كان يضحك لأنه تذكر سر الرقم الذي رآه على اللوحات في الطريق .

نزل الشيخ الهرم من الحافلة بعد برهة من الزمن .. مضى بطريقه و تكررت هذه اللوحات التي تحمل أرقاما لكن لم بقى بذهنه اٍلا ذلك الرقم السحري الذي لا يبدو غريبا عليه أبداا .. تكررت نفس العبارات في تلك اللوحات !!!؟؟ صرخ الرجل بأعلى صوته لقد رأيت هذا الرقم !!! .. اٍندهش المارة و أصحاب المحلات على جانبي الطريق من كلام الرجل و صراخه !! … زاد تأثير مخدر ذلك الرقم السحري و زادته غرابة مجموعة الصور و الكتابات التي وضعت بجانبه !!!.. صرخ بأعلى صوته ماذا تريدون؟؟ ماذا تريدون؟؟ .. ماذا دهاكم ؟ ما الذي فعلتموه ببلدكم !!!!!!؟ .. فضحك حينها المارة و مرتادي المقاهي و قد رسموا له في مخيلاتهم صورة “المهبول” المرفوع عنه القلم دون أن بنتبهوا لما قال .

أنهى الرجل صراخه و قد ظهرت لوحه جديدة كتب عليها ( إذا كنت تريد العيش فاٍنتخب الرقم 07) !! .. اٍحتار الرجل لما يراه من كتابات غريبة و كان قد عزم على معرفة الكتابات التي جاورت الرقم التي لم يفلح في معرفة محتواها بعد !!! .. و كان قد وجد في أثناء ذلك لوحة أخرى كتب عليها كلام غير مفهوم ، فسأل أحد المارة الذي أعلمه أن الكلام المكتوب هو “سنعيد رفع التحديات معا ” !!!! فاٍختلجت فجأة بصدره مشاعر مختلطة بكوابيس قديمة و مزيجا من الدموع و الأخزان و الوهن و السقم من جراء ذلك الخبر اليقين الحزين ..

جلس و ووضع يديه على رأسه بعد أن توضحت الرؤية لديه بعودة جلادي الأمس الذين أغلقوا أمامه الأبواب في وقت ليس بالبعيد ..

كذب الشيخ الهرم نفسه وزاد إصراره على التأكد من المعلومة فرأى لوحة أخرى كبيره جدا كتب فيها كلام غير مفهوم فاٍستعان كالعادة بأحد المارة و الذي لاحظ حزنه فبادره بفحوى اللوحة ” بالأمن و الأمان يحيا هنا الاٍنسان”…و هنا سلم صديقنا الشيخ نفسه للحقيقة و أرجأ أمره لله و صدق ما كذبه سابقا و قد ملأ اليأس و الحزن محياه .. طأطأ رأسه و غمره الحزن و سلك طريق القمامة التي أدمن البحث فيها عن فضلات شعب أرجع جلاداا و فواضل مجتمع نخره سوس النرجسية المقيتة عملا بالمثل العامي التونسي ” أخطى راسي و أضرب “.. يعلم الكثير منا و أغلبنا على غرار هذا الشيخ المسكين أننا في وقت ما ليس بالبعيد كنا قد حفرنا حفرة عميقة للأحقاد و الوجوه القديمة ودفنّاها ، و ها نحن اليوم ننقذهم و نرجعهم غصبا و بدون أن نعي بذلك تحت تخدير و تأثير اٍعلام فاسد و شعب نائم و عدو حاقد و جيران جعلوا من المرتزقة حكاما علينا .. يبدو من خلالها البلد الذي نعيش فيه مهزوما لفترة أخرى قد تطول وقد تقصر .. و لانلومنّ في ذلك إلاّ أنفسنا ..

هي لعبه لو تركنا فيها انفسنا و واصلناها سنخسرها رغم الوجع و الألم ، تبدو من خلالها القلوب تشتاق لمن يصدها و العقول يصيبها الجنون بمن يتمنع عنها و يكون الاكثر اٍظهارا للشوق هو الطرف الأكثر ألما و ربما لا ندرك حقيقه أن الشوق هو ردة فعل عن أوهام غرسوها فينا و في مخيلاتنا و أنه بمجرد أن نشعر خلالها ان الأطراف المتمنعة توقفت عن الصد أصبحت حاكما و سلطانا علينا يتوقف حينها الشوق و الجنون ، فتذهب السكره و تأتي فكره و حقائق مرة كالعلقم بعد فوات الأوان و يقع حينها الفأس في الرأس و يستحيل الاٍصلاح و يسترجع الظالم عصاه ليقتلنا ..

هناك من أدرك تلك الحقيقه و أن هذا الحرص و الشوق ليس حبا لتطمئن به قلوبنا بقدر ما هو جحر سقطنا في فخاخه و سنقع داخله مهما صدتها الحواجز الاخرى بل ستتفيق على مصائب و كوارث قد يصعب تدراك عواقبها ..

سندرك في النهايه أنها ستعود و ان رد فعلها في الجنون و اظهار الشوق سيكون مجرد أفلام لا صحة لها و تصعب خلالها ردة الفعل و سيكون ذلك الفعل محسوبا علينا و اٍن كان من الصعب التحكم فيه لأننا نكون حينها قد وقعنا في الفخ في أيادي الجلادين ، .. يجب ألا نسلم أنفسنا لهذا الشوق لأن الوقت لا يمثل الا وهما ..هناك من يلعب اللعبه دون ان يدرك ماهيتها فتؤذي او يتأذى دون قصد و هناك من يلعب لأجله الوقت و يدرك الخطر و لكنه يحب اللعبه و يستمر حتى يصير الوجع اوجاع أنا في طفولتي كنت اعشق الصعود في جبال “بني خداش” العالية وأحاول أن ألاحظ كيف هي الحياة من الأعلى فوجدت أن البشر صغارا مهما تضخموا و أثقلوا الموازين..كانت كل نظرة اٍلى الأسفل أعشق خلالها كل صخرة رفعتني للأعلي و عندما كان طرفي يسقط للأسفل ما كان مني اٍلا ان أبذل مجهوداا اٍضافيا و أتحكم في الامر و أدفع بكلتا قدماي مره أخرى كي لا أسقط و يبدو أنني بالفطره صممت ان أبقي الطرف الاعلى في اللعبه .. تبدو الصورة كذلك و لكم الخيار أن تكونوا صخوار ليعلو عليكم أم جبال لتحملوهم للأعلى تدور خلالها الدوائر ونشتاق لجنون شعب سينتفض بركانا وسط جبال ألهمت الاٍنسانية بثورة شعبية اٍنحنى لها العالم اٍحتراما سقطنا فيها اليوم للأسف لكنها من المؤكد أن أقدار الله سترفعنا يوما ما .. ستر الله بلدنا و دمتم شرفاء داخله رغم كيد الماكرين ..

رمزي هويدي : مدون و مهندس اٍعلامية

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: