الجولان: عيون وآذان وفم “إسرائيل”.. مقال للكاتب وديع عواودة

الجولان: عيون وآذان وفم “إسرائيل”.. مقال للكاتب وديع عواودة

أغضبت تصريحات رئيس حكومة إسرائيل بنيامين نتنياهو حول بقائها الأبدي في الجولان جهات عربية وأثارت حولها أوساط إسرائيلية علامات سؤال حول مدى حكمتها؟

وخلال ترؤسه الجلسة الأسبوعية لمجلس وزرائه الذي يلتئم للمرة الأولى منذ الاحتلال في الجولان، انطوى خطاب نتنياهو على رسالة بعث بها إلى العالم بأسره وفي مقدمته العرب وتحديدا سوريا التي تعيش حربا أهلية دامية. ووثق نتنياهو زيارته في صورة تذكارية تم إلتقاطها له متوسطا وزراءه في الهواء الطلق، وقد امتد الجولان من خلفهم، ثم جمعهم في مجلس مستوطنة كاتسرين، كبرى مستوطنات الجولان. وقال نتنياهو أمام وزرائه وقادة المستوطنين في الجولان المحتلة في مستهل الجلسة، إنه جاء بهم إلى الجولان ليبعث برسالة صريحة وواضحة مفادها أن هضبة الجولان ستظل إلى الأبد في يد إسرائيل.

وفور عودته من زيارة خاطفة لموسكو أوضح أنه كرر موقفه هذا على مسامع الرئيس الروسي بوتين فصمت واعتبر نتنياهو ذلك تلميحا على أن السكوت علامة الرضا. بيد أن أوساطا إعلامية وسياسية إسرائيلية سخرت من ذلك وقالت إن الدول الغربية لابد سترد رافضة أو متحفظة وفعلا هذا ما أكدته الدولتان الصديقتان لإسرائيل الولايات المتحدة وألمانيا. ويبدو أن تصريحات نتنياهو ضمن محاولاته الشعبوية لكسب النقاط فهو بذاته سبق وأرسل ممثليه للولايات المتحدة خلال ولايته الأولى (1999-1996) للتفاوض مع سوريا حول الانسحاب من الجولان التي اعتبرتها إسرائيل أذنا وعيونا إضافية لها.

وسخرت صحيفة «هآرتس» من نتنياهو في رسم كاريكاتيري يظهر فيه وهو يركب دراجة نارية وهارب بسرعة من الجولان بعدما داس ذيل ملك الغاب الأسد في إشارة لسوريا. ولكن ليس هذا فحسب فهناك أطماع اقتصادية واستراتيجية أخرى لإسرائيل في الهضبة طالما دفعتها لمحاولة الاستئثار بها، فالزراعة فيها متطورة جدا خاصة التفاح والكرز، وتربية الأبقار لاسيما أنها تمتاز بخصوبة ترابها البازلتي وبوفرة مياهها ناهيك عن مصادر المياه. كذلك هناك مشروع كبير للتنقيب عن النفط في الجولان شرعت فيه العام الماضي شركة أمريكية-إسرائيلية رغم أن ذلك ينطوي على انتهاك فظ للقانون الدولي.

بالتزامن أحيا أهالي الجولان المحتل الذكرى السنوية ليوم الجلاء كعادتهم كل عام. وهو يوم جلاء المستعمر الفرنسي وزوال استعماره عن الأرض السورية في مثل هذا اليوم من عام 1946.

ميدان سلطان باشا

وتجمع العديد في ميدان سلمان باشا الأطرش في مجدل شمس، وهتفوا لحرية الجولان وعافية سوريا. وبدا هذا التحرك بمثابة رد على تصريحات نتنياهو، حيث رفع المشاركون شعارات ورددوا أهازيج ملخصها أن «زيارة نتنياهو وحكومته الفاشية لا تستطيع تغيير موقف أهل الجولان وأصحابه، وأنه مثلما تم كنس المستعمر الفرنسي عن سوريا سيتم تطهير الجولان من دنس الاحتلال الإسرائيلي».

كما أعرب الكثير من المواطنين السوريين في الجولان المحتل، عن رفضهم القاطع لما وصفوه بتغيير الجغرافيا والتاريخ من جانب نتنياهو وأن ما ادعاه يجافي طبيعة أهل الجولان وهويتهم القومية.
وذكر هؤلاء أن الجولان شهدت هبة جماهيرية كبيرة شملت إحراق بطاقات الهوية الإسرائيلية عندما سن الكنيست قانون ضم الجولان، وذلك تعبيرا عن رفضهم القاطع للانفصال عن «الوطن الأم» كما يطلقون على سوريا.

50 ألف مستوطن

يستوطن في الجولان نحو خمسين ألفا من اليهود منذ احتلالها في حرب حزيران/يونيو1967 ووعد نتنياهو وزراءه بآلاف آخرين سينضمون إليهم قريبا. ويعيش في الجولان التي تبلغ مساحتها 1860 كيلومترا مربعا نحو ثلاثين ألفا من العرب السوريين موزعين على أربع قرى أبرزها مجدل شمس المتاخمة للجزء الشمالي الممتد من سفوح جبل الشيخ بمحاذاة خط وقف إطلاق النار الذي تم ترسيمه بعد اتفاق فك الارتباط وهو الاتفاق الذي أعقب حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973 أما القرية الخامسة وهي الغجر فتقع في الغرب على تقاطع الحدود بين لبنان وسوريا وفلسطين التاريخية. ولم تخف إسرائيل أطماعها في الجولان منذ احتلالها، فقد سنّ الكنيست الإسرائيلي قانونا عام 1981 ضم بموجبه الجولان السوري المحتل إلى إسرائيل، لكن المجتمع الدولي ممثلا في الأمم المتحدة رفض ذلك في قرار أصدرته هذه المنظمة الأممية حمل الرقم 497. وجاءت تصريحات نتنياهو الجديدة في هذا الوقت بالذات حيث تحاول سوريا لملمة جراحها وإبرام تسوية سياسية بين «الإخوة الأعداء» لتخطر المجتمع الدولي بأن إسرائيل قادرة على تخريب هذه المساعي إذا رأت أنها ستضر بما سماها نتنياهو «مصالحها الأمنية».
وقد ذكر أحد المهتمين في بلدة مجدل شمس، كبرى القرى السورية في الجولان المحتل، أنه خلال الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة التي جرت قبل عام، تم إجراء مسح لمعرفة عدد الذين يحملون المواطنة الإسرائيلية وحصلوا على جوازات سفر في الجولان.

واقتصر المسح على 420 شخصا من أصل 23 ألفا يعيشون في قرى مجدل شمس وعين قينيا ومسعدة وبقعاتا، إضافة لقرية الغجر التي يعيش فيها نحو سبعة آلاف وتقع في الجزء الغربي من الجولان وهي البقية الباقية من أصل 137 قرية وخربة، إضافة لـ112 مزرعة دمرتها إسرائيل خلال حرب عام 1967 وهجرت أهلها.

طبيعة استعمارية

وفي الأوساط السياسية العربية داخل الخط الأخضر، أثارت تصريحات نتنياهو ردودا مستنكرة، إذ يؤكد عضو الكنيست مسعود غنايم «المشتركة» لـ «القدس العربي» أن «توجهات إسرائيل بقيادة نتنياهو تؤكد الطبيعة الاستعمارية والعدوانية لإسرائيل». ويرى غنايم أن أي كلام عن سلام بين إسرائيل ومحيطها العربي إنما هو محض كذب وافتراء، وإن ما قاله نتنياهو حول الجولان السوري إنما هو الحقيقة، ويكشف أن إسرائيل متجهة إلى مزيد من الاستيطان وتكريس الاحتلال وفرض الأمر الواقع بالقوة ضاربة عرض الحائط كل القرارات والمعاهدات الدولية، وفق تعبيره. ويعتبر أن الوقت قد حان لكي يعامل المجتمع الدولي إسرائيل كما عوملت دول أخرى لإرغامها على احترام الإرادة والقرارات الدولية أي بفرض العقوبات القاسية عليها.

حاليا اكتفى الرئيس المناوب لمجلس الأمن الدولي السفير الصيني، بالإعلان ان «مجلس الأمن يشعر بالقلق إزاء التصريحات الإسرائيلية الأخيرة بشأن الجولان». وذكر بقرار المجلس 479 الصادر في العام 1981 والذي يحدد أن قرار فرض السيادة الإسرائيلية على الهضبة «لا يحظى بدعم القانون الدولي». وجاء النقاش في مجلس الأمن بناء على طلب قدمته فنزويلا بمبادرة من سوريا. وأوضحوا في وزارة الخارجية الإسرائيلية أن هذا النقاش لا ينطوي على أي أهمية أو أبعاد عملية، لكنه يعكس عداء الأمم المتحدة لإسرائيل.

وكان نتنياهو قد طرح لأول مرة، موضوع الاعتراف الدولي بسيادة إسرائيل على الجولان قبل نصف سنة، خلال لقاء مع الرئيس الأمريكي باراك أوباما، وطلب من الرئيس الأمريكي الاعتراف بسيادة إسرائيل على الهضبة كجزء من التعويض الأمريكي على الاتفاق الدولي مع إيران في المسألة النووية، لأن الإيرانيين والتنظيمات الإرهابية، المدعومة من قبلهم ضالعون في الأحداث السورية. لكن أوباما رفض هذا الطلب. وفي الآونة الأخيرة أعيد طرح هذا الموضوع حين طلب الرئيس السوري بشار الأسد الإعلان خلال النقاش الجاري حول تسوية وقف إطلاق النار في سوريا، ان الجولان أرض سورية يجب إعادتها.

وقاد طلب الأسد هذا إلى قرار نتنياهو عقد جلسة لحكومته في هضبة الجولان بعد 49 سنة من السيطرة الإسرائيلية عليها، والتصريح هناك أن «الرسالة الإسرائيلية واضحة: هضبة الجولان ستبقى إلى الأبد في إيدي إسرائيل. إسرائيل لن تتخلى أبدا عن الجولان».

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: