الحق والحرية والمجتمع المدني المستقل… أزمة اللاجئين الكاشفة.. (مقال/ الأكاديمي المصري عمرو حمزاوي)

الحق والحرية والمجتمع المدني المستقل… أزمة اللاجئين الكاشفة.. (مقال/ الأكاديمي المصري عمرو حمزاوي)

في البدء كانت حضارة العراق القديمة التي ابتكرت أول نظام مدرسي عرفته البشرية، وأرشدت معاصريها آنذاك إلى قيمة العلم والتعليم والتعلم. أما اليوم فتحاصرنا الأخبار الصادمة بشأن أطفال العراق الذين يحرمون في مناطق عدة من الالتحاق الآمن بالمدارس، بشأن أطفال سوريا الذين تباعد بينهم وبين التعلم مأساة الاستبداد والحرب الأهلية وتوابعهما من قتل ودمار وتهجير واضطهاد وارتحال، بشأن أطفال مجتمعات شرق أوسطية أخرى يعانون من ظروف حياتية بالغة الصعوبة. ومسؤوليتنا جميعا، ومسؤوليتكم أيضا، هي أن ندرك أن من حق هؤلاء الأطفال ومن حق ذويهم البحث عن ملاذات آمنة بعيدا عن أوطانهم، وأن تضامننا المعنوي والمادي ليس ترفا أو تكرما منا بل هو واجبنا الذي تستقيم به قيمنا الأخلاقية والإنسانية، وأن تمكين اللاجئين من الوجود الشرعي في بلادنا ومساعدتهم على الاستقرار وحمايتهم من الكراهية والتطرف ضرورة وجود لنا أيضا.

ليست الكلمات السابقة لي، بل هي جاءت على لسان مدير مدرسة حكومية في العاصمة الألمانية برلين (والمدرسة المعنية تنتسب في اسمها إلى الشاعر الألماني فريدريش شيلر)، وتمثل سياق ترديدها في محاضرة افتتاح العام الدراسي 2015- 2016 والترحيب بالتلاميذ الجدد وذويهم (وكنت في عداد الأخيرين). ولكي لا يدع المدير الحاصل على إجازة الدكتوراة في العلوم التربوية الفرصة السانحة للتوعية تمر دون توظيف إيجابي، أتبع كلماته بمطالبة التلاميذ بالاقتراب من أقرانهم المنتمين لأسر لاجئة وبدعوة الأهل للتفكير مع إدارة المدرسة في سبل التضامن مع اللاجئين ومساعدتهم في إطار الممكن «لمدرسة صغيرة الحجم ومحدودة الإمكانيات»، مذكرا بالذاكرة التاريخية للمجتمع الألماني الذي خبر مأساة التهجير والنزوح والارتحال مع نهاية الحرب العالمية الثانية (أقاليم بروسيا الشرقية القديمة التي ضمت في 1945 إلى الاتحاد السوفييتي السابق وبولندا والجمهورية التشيكوسلوفاكية السابقة)، ومذكرا أيضا بالنازية التي ألحقت جرائمها كوارث القتل والدمار والتهجير بالكثير من الشعوب الأوروبية. عند هذه المضامين انتهى شق المحاضرة المتعلق بحضارات مجتمعاتنا القديمة وبأزمة اللجوء واللاجئين الراهنة، وتلته إشارات هادئة وذكية من «السيد المدير» باتجاه التلاميذ وأخلاقيات مهنتهم، مهنة طلب العلم.

على نحو جذري، تغير المجتمع الألماني خلال السنوات القليلة الماضية لتنحي أغلبيته جانبا خوفها التقليدي من «الآخر» ومن «الغريب»، وتتخلص من الوعي الزائف الذي روج له دوما اليمين العنصري والمتطرف بشأن «اختطاف الأجانب لثمار تقدم ورخاء واستقرار ألمانيا»، وتتجاوز القيود التي فرضها الوعي الزائف هذا على الانتصار للقيم الأخلاقية والإنسانية التي كرسها دستور ما بعد الحرب العالمية الثانية (القانون الأساسي لألمانيا الغربية السابقة) وساندها بإطراد السلوك الانتخابي للمواطنات والمواطنين.

نعم، لم تزل حركات اليمين العنصري والمتطرف تروج لمشاعر الخوف ولمقولات الكراهية. نعم، لم تتوقف الحملات الرافضة لاستضافة اللاجئين والمطالبة بترحيلهم في تطبيق بائس لهيستيريا نزع الإنسانية وللممارسات المريضة لاستعلاء الجموع على الضحايا والضعفاء والمضطهدين. نعم، لا ينبغي الصمت على تصاعد الأعمال العدائية ضد أماكن إيواء اللاجئين في مناطق ألمانية متنوعة أو إنكار سقوط بعض فئات المجتمع الألماني في أسر شبكات اليمين العنصري والمتطرف، أو اختزال العداء للأجانب في «أزمة ألمانية شرقية»، أو ادعاء اقتصار المشاعر السلبية والقابلية للتورط في الأعمال العدائية على محدودي التعليم ومحدودي الدخل بين المواطنين، فموجة العنف الراهنة ضد اللاجئين تستعصي على استراتيجيات التحايل والاختزال هذه وتلزم بمقاربتها بنهج مجتمعي نقدي يعترف بخطرها ويجتهد لاحتوائه.

غير أن الموضوعي أيضا هو أن المجتمع المدني في ألمانيا يطلق من الفعاليات والمبادرات وبرامج التضامن مع اللاجئين التي تستهدف مساعدتهم على اكتساب هوية الوجود القانوني والاندماج في سوق العمل وتمكينهم من الحصول على الخدمات التعليمية وخدمات الرعاية الصحية والاجتماعية الضرورية لصون كرامة الإنسان، ما يتجاوز بجلاء موجة العنف الراهنة ويحيد الشق الأكبر من تداعياتها – بالقطع، دون تجاهل للمعاناة النفسية والجسدية التي تلحقها الأعمال العدائية ضد اللاجئين بأطفال ونساء وسيوخ ورجال لم يتعافوا بعد من شرور الاستبداد والحروب الأهلية والتهجير والاضطهاد، ومن أهوال رحلات اللجوء.

اليوم تتصدر المنظمات الحقوقية، والمدارس والجامعات والمعاهد العلمية، والهيئات الكنسية وهيئات دينية أخرى، والجمعيات الخيرية والأهلية الممولة بجهود ذاتية، ومبادرات النخب الفكرية والعلمية والفنية وعديد الشخصيات العامة واجهة العمل العام للتضامن مع اللاجئين، وتتفوق على نخب السياسة وأحزابها في نطاق حركتها وكثافة أنشطتها وطاقاتها الابتكارية وإنسانيتها المتحررة من أعباء ممالأة الجموع الخائفة، ومن حسابات صناديق الاقتراع، ومن غواية حصد تأييد بعض الناس بالتورط في الترويج للخوف ولمقولات الكراهية.

أسجل تفوق المجتمع المدني على السياسة وتحرره من شعبويتها، على الرغم من أن أداء حكومة المستشارة ميركل (الحكومة الائتلافية بين الحزب المسيحي الديمقراطي والحزب الاشتراكي الديمقراطي والحزب المسيحي الاجتماعي) فيما خص أزمة اللجوء واللاجئين الراهنة يتسم: 1) بالفعل الرمزي المسؤول الذي ترجمته زيارة المستشارة ورموز حكومية أخرى لأماكن إيواء اللاجئين بعد تصاعد الأعمال العدائية ضدهم، 2) برشادة عمليات صنع القرار الرسمي التي مكنت من استضافة عدد كبير من اللاجئين مقارنة ببلدان أوروبية أخرى ومن تخصيص موارد مالية استثنائية لدمجهم ومن تعليق العمل ببعض مواد قوانين اللجوء التي كانت تتيح للسلطات الألمانية إبعاد اللاجئين القادمين من بلدان أوروبية أخرى، 3) بالالتزام بمسؤوليات الدور المركزي لألمانيا في سياقات الاتحاد الأوروبي والذي تشجع به حكومة المستشارة التوافق على استراتيجية أوروبية شاملة للتعامل مع اللاجئين وترفض الممارسات صريحة العنصرية التي تنتجها بعض الحكومات في شرق ووسط أوروبا، 4) بالاستثمار المنظم في تحويل دفة النقاش العام بشأن أزمة اللجوء واللاجئين باتجاه نظرة مستقبلية موضوعية وهادئة تستند إلى إسهامات اللاجئين الممكنة لضمان استمرار تقدم ورخاء ألمانيا وأوروبا.

تطبق حكومة المستشارة ميركل مضامين الفعل الرمزي والسياسي المسؤول، غير أن المجتمع المدني باستقلاليته وحريته ومبادرات أفراده وبسيادة القانون التي تحميهم يمثل القاطرة الحقيقية لإدارة ألمانيا لأزمة اللجوء واللاجئين وللجهود المتصلة للانتصار لمسؤولية مواطنات ومواطنين أورثهم الماضي ذاكرة جماعية تعترف بجرائم النازية التي أسقطت ملايين الضحايا وألحقت مصائر بشعة بملايين آخرين، وتقرر التضامن مع ضحايا الحاضر وضعفائه ومضطهديه نهجا وحيدا للتطهر من جرائم الماضي، وتتماسك بفاعلية إزاء تهديد كرامة الإنسان وإنسانية المجتمع الذي تدفع به حركات اليمين العنصري والمتطرف إلى المجال العام.

هنا تتجسد عبقرية المجتمع المدني في الديمقراطيات، وتبدو جلية فاعليته غير المنتظرة للفعل الحكومي والمتحررة من شعبوية السياسة ومحدودية حساباتها – كما أشار مدير مدرسة شيلر المحترم. وهنا أيضا تتجسد الكارثة التي تلحقها نظم الاستبداد والسلطوية والقمع ببلاد العرب عبر إلغاء أو استتباع المجتمع المدني، وتبدو أيضا جلية مأساة ابتعاد أوطاننا عن قيم العقل والعلم والحق والعدل والحرية والمساواة والتضامن الإنساني التي يؤسس لها المجتمع المدني المستقل والحر والتي كان حضورها سيرفع عنا مصائر القتل والدمار والتهجير والارتحال طلبا للنجاة.

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: