انهيار الدولة العربية والتفكّك المتواتر .. مقال/ الكاتب الجزائري واسيني الأعرج

انهيار الدولة العربية والتفكّك المتواتر .. مقال/ الكاتب الجزائري واسيني الأعرج

هل هناك دولة عربية؟ أي هل هناك نظام تسيير مشترك له مواصفات عالم ثالثية وأكثر، أي عربية. الأمر يحتاج إلى تحليل كيف أن العالم العربي ظل على هامش التحولات العالمية الكبرى التى دفعت بمختلف الدول إلى ابتداع حلول تضمن لها البقاء والاستمرارية والتطور. العالم كله يعيش انقلابا كبيرا في القيم، بما في ذلك الأخلاق والثورات الاجتماعية والرقمية. انتصار الثورات الصناعية والإلكترونية والنظم المالية، تبعتها تغيرات عميقة في البنيات الاجتماعية التي استطاعت بقية الدول الأوروبية التي تخلفت عن الركب، مثل البرتغال وإسبانيا، و الكثير من الدول الآسيوية وأمريكا الجنوبية، في بعض نماذجها، توليفها والعمل على اختصار الوقت واستدراك ما فاتها.

ولم تكن الحداثة إلا تجليا لهذا كله. فقد عرفت أوروبا كيف تجعل منها وسيلتها للخروج نهائيا من دائرة التخلف. لم يُنجز هذا إلا بحسم الخيارات الأساسية وبتر كل المعوقات. وكانت الديمقراطية واحدة من أهم هذه الخيارات بوصفها ممارسة تاريخية للشعوب لكي تعبر عن حاجاتها الاجتماعية الأساسية ومطالبها الحياتية والإنسانية. وكانت أيضا كتحصيل حاصل، فكرة التداول على السلطة وعدم سرقة حق ليس ملكا للأفراد ولا للجماعات السياسية، ولكنه ميراث أمة. واعتبار الدولة حتى اليوم، هي الناظم الأساسي لشؤون الأمة، والكيان الجامع لها خارج التقلبات السياسية، واعتبار الصراع السياسي ميدانا مفتوحا للجميع. من هنا كان خيار العلمانية وإخراجه من دائرة الثنائية: كفر أيمان، خيارا استراتيجيا حاسما وضروريا، لأنه يشكل صمام أمان لحماية الأمة من الضغائن العرقية والجهوية واللغوية. وتبدو شعوب العربية في حاجة ماسة للعلمانية ولفكرة المواطنة. فهي متعددة الإثنيات والثقافات واللغات، المواطنة بالنسبة لها وسيلة الجمع لتنوعاتها حول خيار واحد هو الانتماء إلى الوطن الواحد بكل تنوعاته الثقافية واللغوية والحضارية. القاسم المشترك بين الجميع، حتى في اختلافاتهم الإثنية والدينية والعرقية، هو هذه المواطنة الغائبة والمسروقة لدرجة تحويل المواطن العربي في أحسن الأحول إلى رعية يتحدد مصيرها التاريخي والوجودي خارج إرادتها. ثم تأتي الخيارات العلمية والتكوين والبناء والاستفادة من المنجز الإنساني، كوسيلة لتدارك التأخر الذي تفاقم حتى أصبح من شبه المستحيل اللحاق به. من دون أفق إنساني لا يمكن تصور مجتمع عادل. إضافة مأساوية توزيع الثروة بشكل عادل والابتعاد عن احتكار المال العام. الثروة العربية لا يستفيد منها اليوم العربي، ولا تساهم في رفاهه الحياتي ولا في انتقاله نحو صلب العصر الذي يعيش فيه.

تأمل بسيط للعالم العربي يبين أنه منذ التقسيمات الكبرى التي أعقبت الحرب العالمية الأولى، لم يحدث شيء مميز وإيجابي وجوهري. فقد خلقت هذه التمزقات مجتمعا غير متجانس ومهزوما من الداخل ويعيش بشكل قدري في الحاضنة الغربية الاستعمارية أو المصلحية البحتة. من هنا إخفاقه في خلق نموذج التطور الاقتصادي والاجتماعي. لم تجمع إلا التاريخ الرسمي والهزائم. لكن لن يخلق النموذج المميز الذي يمكنه أن يتحول إلى مسلك ناجح يجب اتباعه. إن المال القومي إذا صحت تسميته بهذه الطريقة، وهي تسمية غير دقيقة لأنه لا يوجد بنك عربي حقيقي بهذا المعنى، هذا المال كان بإمكانه أن يساعد على التطور لو سخر بهذا الاتجاه للخروج من دائرة التخلف. لو سخر إيجابيا لغيّر البلاد العربية، ولفتح أمامها إمكانات كبيرة للتطور والانفتاح على العالم. بلايين الدولارات التي تذهب في الريح هباء، أو في تمويل المنظمات الإرهابية المختلفة لمقاومة تيار ضد تيار من دون دراسة عميقة للنتائج الخطيرة التي ستترتب على ذلك. ما يحدث اليوم من تغول للحركات الإرهابية لا يخرج عن هذه الأخطاء. تأملات بسيطة في الخط التاريخي للقاعدة، واليوم لداعش يدلنا بما لا يدع مجالا للشك، أن هذه الحركات الإرهابية كبرت في ظل حماية مالية وتقنية عربية ودولية أيضا، وإلا لما استمرت في الحياة.

العرب لم يحسنوا خياراتهم لأنهم لم يقطعوا مع الميراث السلبي في ممارسة السلطة الذي تخلت عنه أوروبا عندما تطورت واتسعت ووجدت حلولا لمشكلاتها الكبرى. صحيح أنه ليس كل شيء أبيض في أوروبا. لها مشكلاتها. لكنها انتهت من الزلازل الكبرى التي تعيد النظر في البنيات المسيرة لطبيعة النظام والدولة والديمقراطية، كيفما كانت نقائصها، والتداول على السلطة والتحالفات المختلفة. ربما لأن الأنانيات السلطوية الكبرى هي السبب الأساسي والكبير. لم يوجد على مدار المئة سنة الأخيرة مصلحا عربيا واحدا جديرا بأن يعيد النظر في بنية المجتمع ويقترح مسارات ومخارج جديدة، ويتحمل ثمن خياراته. فلا تطور من دون خيارات واضحة والمراهنة على الأجيال المقبلة. لا يمكن اليوم مثلا القبول بوضعية المرأة المزرية بحيث تعيش مشلولة ولا يعترف لها بأدنى الحقوق.

هذه الوضعيات الإشكالية أدت بالكثير من البلدان العربية إلى التدهور واعتبار الظلم الاجتماعي جزءا من الديكور العام لدرجة أنه أصبح لا يثير أي اهتمام. هل من منقذ في هذا القرن لهذا العالم الذي بدأ يدخل المرحلة الأخيرة من تهالكه؟ أم أن التحلل والتمزق هما النهاية الوحيدة الأكثر احتمالا؟ وكأنه لا خيارات في النهايات. مع أن العالم العربي اليوم في حاجة وجودية إلى منقذ يراهن على الآتي ويغير بنيات الحاضر.

أعرف أن التربية الأنانية والعجز الثقافي وبؤس الرؤية، لم تنتج إلا النسخ نفسها لدرجة أنه يمكننا اليوم أن نتحدث عن شكل نظام عربي نموذجي موحد في الحكم أفرزته الممارسة السياسية العاجزة، بالكثير من المواصفات الجوهرية المتشابهة، أكدته المئة سنة الأخيرة. الأنظمة الموجودة اليوم هي نفسها أنظمة مخلفات سايكس بيكو ومؤثراتها. ولم تنشأ الأنظمة البديلة أو المناهضة. حتى الناصرية التي حاولت أن تخلق مسافة بينها وبين هذا التاريخ المثقل بالهزائم، سرعان ما تراجعت مضيفة إلى السجل العربية هزائم جديدة. فهناك فشل ذريع في خلق نموذج واحد يقتدى به. التفرد في الحكم وعدم إشراك فئات الشعب في تسيير الدولة وإنشاء جمهوريات مشلولة مخترقة بالاستهانات الكبيرة للعقل العام بالتوجه نحو سياسة التواريث التي تعتبر محصلة لسنوات من احتقار الشعوب وابتزازها وسرقتها.

ولا يظهر النظام الجمهوري في النهاية إلا كغطاء بائس أو ورقة توت تغطي بصعوبة الهزال السياسي.
وتظل المرأة في هذا السياق، ووضعها، هي البارومتر الذي يمكن من خلاله قياس الحالة العربية. فقد تم عزلها وتعطيل طاقاتها باسم الدين والتقاليد والمجتمع وكسر دورها الفاعل، في الوقت الذي تشترك فيه المرأة الإسرائيلية في الفعل التدريبي والعسكري، في ظل دولة دينية في الجوهر، وتسيير علماني لآلياتها. الاحتلال الإسرائيلي أدرك مبكرا أن وجوده التاريخي رهين هذه الخيارات في نظام الدولة. بينما في العالم العربي ما تزال المرأة طاقة مجمدة. محرومة من حقوقها المدنية والإنسانية. وحتى عندما تعترف بها المواثيق والدساتير، تسحب إلى الوراء باسم التقاليد الاجتماعية، إذ يصبح المجتمع أكثر تأثيرا من الدولة، وكأن هذه الأخيرة متماهية مع وضع يخدم أنانياتها وبؤسها وتخلفها. تسيّر هذه الوضعية المضادة لشيء اسمه سلطة الدولة، وتنصاع باسم احترام التقاليد، بينما يفترض ان تفعّل القوانين التي سنتها هي في مواثيقها ودساتيرها. في المحصلة، كل أجهزة الدولة، بدل ان تكون حيادية وتهتم بالمصالح العليا للأمة، تتوجه نحو خدمة الأفراد والمجموعات المتسلطة بشكل مافياوي.

لهذا سقوط النظام في أي دولة عربية يستتبعه بالضرورة سقوط الدولة وانهيارها، ودخول البلاد في الحرب الأهلية والتفكك. الفقر مدقع حتى في بعض البلدان العربية الغنية. الأموال التي تأتي عموما ليست ثمرة اقتصاد منتج فعليا مثل تركيا، وهي نموذج قريب من حيث المكونات التاريخية والدينية، ولكن من منحة طبيعية، لا ضمان للمصير العربي بعد انتهائها. والثروة الحاصلة من هذه المنحة الطبيعية لا توزع في النهاية بشكل عادل. توزع في شكل محاصصات سرية بين المجموعات الحاكمة والمهيمنة وتسخر البقايا لتسيير ضغوطات المجتمع، لتفادي الانتفاضات الاجتماعية.

لهذا تبدو المصائر العربية شديدة السواد، إذ لا واحدة تنجو من عمليات التفكك المتواتر الذي يمس مثل الداء الدول القطرية بالتتابع، من دون أن تتمكن الدول التي لم تمسسها العاصفة من الاستفادة مما يحدث أمام عينيها. إذا لم تحدث إصلاحات حقيقية تنقذ ما يمكن إنقاذه والسير وفق خيارات جديدة ستنهار هذه الدولة العربية وتنتهي معها كل الأحلام القومية للتطور التي تراجعت اليوم لتتحول إلى كوابيس وحرائق متواترة. قد تكون مصلحة الغرب الاستعماري أن تبقى الدول العربــــية على وضــــعها البائـــــس والمحزن الذي تتبدى به اليوم، لأن ذلك يخدم مصلحــــته وأسواقه وأزماته، لكن السؤال الذي يفرض نفسه أيضا، ماذا فعلت هذه الدولة لخلق ميكانيزمات للتغيير والتجدد وحماية نفسها وشعوبها؟ من السهل أيضا تعليق الشماعات في الآخرين ونسيان مسؤولية الحاكم العربي والشعب الذي شكله حتى أصبح يشبهه.

يحتاج الأمر إلى حالة استثنائية غير متوفرة اليوم، لتجاوز وضعية الانهيار المتواتر والتفكك.

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: