الرئيس الروسي فلاديمير بوتين

روسيا البوتينية بين تفسيرين “تاريخاني” و”ارتجالي” للدوافع والمخاطر.. مقال الكاتب وسام سعادة

روسيا البوتينية بين تفسيرين “تاريخاني” و”ارتجالي” للدوافع والمخاطر.. مقال الكاتب وسام سعادة

يقدّم العدد الأخير (أيار/مايو وحزيران/يونيو) من مجلة «الفورين أفيرز» مادة ثرية للتفكير بالإشكاليات وزوايا النظر المختلفة التي تتضمّنها بشأن الوضع في روسيا، ووضع روسيا العالمي اليوم، قبل سنتين من الانتخابات الرئاسية المنتظر أن يجدّد الرئيس فلاديمير بوتين فيها ولايته، هو القابض على أزمّة الحكم منذ ستة عشر عاماً.
في المحور الذي يضمّ سبعة مقالات يبقى الإمتياز للأولى والأخيرة في الترتيب، من حيث تقديم تفسيرين متباينين، لما تسير عليه بلاد الروس اليوم، بقيادة الرئيس بوتين. التفسير الأول يرصد «نمطية تاريخية» عمرها بمئات السنين، والتفسير الثاني يتعقب أفعالاً «ارتجالية».

المقالة الأولى هي للمؤرخ اللامع ستيفن كوتكن، صاحب ما من شأنه أن يتحول لأهم (وأضخم) سيرة عن الزعيم السوفييتي الراحل جوزيف ستالين، وقد صدر قبل عامين الجزء الأول من ثلاثيته.
فحوى مقاربة كوتكن أنّ ثمّة نمطية تاريخية طبعت روسيا منذ قرون عديدة، وما كادت البلاد تنفك عنها قليلاً بعد زوال الاتحاد السوفييتي حتى عادت اليها مع بوتين: لقد «اتسمت السياسة الخارجية الروسية على امتداد نص ألفية بطموحات سامقة تزيد حمولتها على قدرات البلاد في التحمّل»، ولم يتبدّل ذلك رغم اتساع الرقعة الجغرافية حتى بلوغ سدس اليابسة، وبمعدّل توسّع جاوز الخمسين ألف ميل مربع في اليوم لمئات من السنين.

وعلى الرغم من الانتصارات الملحمية الثلاثة في التاريخ الروسي، لبطرس الأكبر على ملك السويد، ولاسكندر الأول على نابليون، ثم الانتصار على ألمانيا النازية، فإنّ السمة العامة للخمسمئة عام هذه كانت «قوة عظمى ضعيفة نسبياً» بكل ما يحتويه تعبير كوتكن هذا من مفارقات. الهزائم المريرة هي التي أثّرت بعمق في التصورات الروسية للجغرافيا السياسية والعلاقات الدولية، وبالذات في حرب القرم 1853-1856، وأمام اليابان 1904-1905، وفي الحرب العالمية الأولى، والحرب الباردة.

في المقابل، لم تتخلّ روسيا بحسب كوتكن عن ذهنية الفرادة الرسالية أو الخلاصية ذات الأصول البيزنطية. التصورات الذاتية عن الفرادة، والرسالة الجوهرية المستديمة، طبعت تجارب امبراطورية وقومية عديدة، لكن ما يلاحظه كوتكن أنّها مانعت التفكك أو التلاشي في روسيا بخلاف ما حدث في السياقات الأخرى، وأنّ ما ساعدها على ذلك هو تزيي هذه الرسالة الخلاصية بلباس مختلف في كل حقبة، من رفع موسكو إلى مرتبة روما الثالثة، إلى الجامعة السلاڤية، إلى المركز الثوري للأممية الشيوعية، إلى النزعة الأوراسية راهناً.
و»الأوراسية» التي تثير الحماسة في المؤسسة الحاكمة بروسيا، هي في الأساس مذهب انتشر بين المهاجرين الروس إلى الغرب، والمعادين للبلشفية، من الذين ردوا مصائب بلادهم بحسبهم، أي وهن قياصرة آل رومانوف وانتصار البلاشفة، إلى لعنة التأورب والتغريب، منذ بطرس الأكبر، متخيلين روسياهم كمزيج له أصالته وفرادته، لا هو أوروبي حصراً ولا هو آسيوي.

يرى كوتكن أنّ ذهنية الفرادة والرسالة الخاصة هذه ساهمت في تزكية روح «الدفاعية العدوانية»، والتأرجح في نفس الوقت بين تطلعات تقرّبية من الغرب، ونوبات نفور وجفاء حياله. وبعضها معلّل بأنّ الغرب هذا لا يفي الخصوصية الروسية حقّ قدرها.

بالمقارنة مع الزعيم السوفييتي الراحل، يعتبر كوتكن، ان بوتين، لا يعترف بوجود أمة أوكرانية مستقلة عن الأمة الروسية، إلا أنه، وعلى غرار ستالين، يتعامل مع البلدان المحاذية لروسيا غرباً، كسلاح في يد الغرب.
لأجل كل هذا، التحدي الأساسي يتصل اليوم، وفقاً لقراءة كوتكن، برغبة موسكو أن يعترف الغرب بنفوذها في كل الفضاء السوفييتي السابق (باستثناء دول البلطيق). فيرى المؤرخ أنه الغرب يجب أن لا يعطي أبداً ضمانات مماثلة، حتى لو أنه غير قادر على حماية سلامة ووحدة أراضي هذه الدول الواقعة ضمن «منطقة النفوذ المشتهاة» من موسكو. لا يرى كوتكن أن احياء استراتيجية الاحتواء التطويقي لروسيا ضرورية، لأنها بكل بساطة لم تعد بقوة الاتحاد السوفييتي السابق، الذي كان بدوره «قوة عظمى ضعيفة نسبياً». خلاصة المقال الماكرة أن الصبر على روسيا، هو مفتاح الفرج، اذ لن تتأخر الحمولة الزائدة حتى تلجم الطموحات المرتفعة والمتشنجة الحالية.

مقاربة دانييل تريسمان المعنية بالاجابة على سؤال «لماذا ضمّ بوتين شبه جزيرة القرم» مختلفة تماماً. ينحي تريسمان التفسيرين «الدفاعي» و»الامبريالي» للدوافع، أي التفسير الذي يرى أنّ الضمّ حدث في مواجهة التوسع الأطلسي، ولاستباق انضمام اوكرانيا إلى الحلف، والتفسير الذي يعيد الضم إلى «احيائية» قيصرية – سوفييتية. يؤثر تريسمان تفسيراً أبسط: تفسير الدافع بالاندفاع، بسلسلة وقائع ارتجالية رداً على الاطاحة بالرئيس الأوكراني السابق فيكتور يانكوفيتش. بل انه تفسير بوتين نفسه لما حصل، وفقاً لما ينقله تريسمان عن الرئيس الروسي شخصياً، بأنّ ضمّ القرم كان «حركة عفوية وغير مخطط لها أبداً في وقت سابق عليها».
فخلال أربعة عشر عاماً من حكمه قلّما اهتمّ بوتين بوضع شبه الجزيرة، وحلف شمالي الأطلسي يؤكد منذ سنوات أن لا نية لديه للتوسع نحو اوكرانيا وجيورجيا، لقلة الاستقرار فيهما، ولأنه في غنى عن تصادمية مع موسكو غير ضرورية، وبوتين نفسه لم يثر هواجس سابقة حول احتمال التوسع الأطلسي باتجاه اوكرانيا خلال كل لقاءاته مع الرئيس الأمريكي، أما الخوف من أن تطرد اوكرانيا الأسطول الروسي من قاعدة سيباستوبول فغير واقعي في ظل وجود قوة روسية عالية التدريب من عشرين ألف جندي في القرم، وأكثرية سكانية موالية لروسيا.

لم يكن بوتين ليفكر في ضم القرم لولا سقوط يانكوفيتش وفقاً لهذا التحليل. لم يكن ثمة مخطط منهجي لذلك، وفي مقابل الجانب العسكري الانسيابي، لجهة فصل شبه الجزيرة عن اوكرانيا، اتسم الجانب السياسي، بالعشوائية، وتأجّل الاستفتاء الذي طرحه البرلمان القرمي المحلي مرتين قبل أن يصوّب السؤال المطروح، من سؤال حول الاستقلال الذاتي، إلى تخيير الناس بين «اعادة توحيد» القرم مع روسيا وبين الاستقلال الذاتي ضمن اوكرانيا.

بعد أسبوع على فصل القرم عن اوكرانيا لم يكن بوتين قد قرر الضم. القرار بالضم كان نتيجة لضغط أنصار روسيا في القرم، الذين لا يرغبون في وضعية كيانات نصف معترف بها ومتعبة اقتصادياً، كأبخازيا وأوسيتيا الجنوبية. والأهم، بحسب تريسمان، أن قرار الضم كان نتيجة لعدم اهتمام الغرب بحفظ ماء الوجه لروسيا، التي كانت ستقبل باعادة القوات الاوكرانية إلى شبه الجزيرة، في مقابل اعتراف غربي بشرعية استفتاء قرمي محلي بالتصويت على الاستقلال الذاتي. عندها أيقنت روسيا بأنّ الدفع باتجاه استقلال ذاتي للقرم من دون اعتراف غربي بالخطوة سيكون خطراً على مصالحها، فكان الضم.

يعتبر تريسمان أن أي «امبريالي كفوء» كان سيعرف ما الذي يطرحه على الناس في الاستفتاء رأساً، ولم يكن هذا هو الوضع، لأن عين موسكو كانت مثبتة على حماية السلطة في كييف، وليس على القرم.
بخلاف ما قد توحي به هذه القراءة النافية عن بوتين صفة الامبريالية، فان تريسمان يعتبر تحليله مدعاة لقلق أكبر، لأن بوتين يجنح نحو الاقتناص التكتيكي السريع للفرص، وليس لاستراتيجية توسعية أو اقتدارية بعيدة المدى، وهذا يقرّبه أكثر من دور «المقامر». فالعقلاني الامبريالي يمكن التفكير باحتوائه، بخلاف المرتجل السريع الخطوة.

هذا القلق ينتاب تريسمان بشكل أقوى حيال العلاقات الروسية التركية، حيث الارتجالية متبادلة. يذكرنا بمعاهدة مونترو 1936 التي تعطي لتركيا حقاً في اقفال المضائق أمام أي أسطول عسكري أجنبي لا ترغب بمروره، وينبّه تريسمان القادة الغربيين في مقالته، بأنه في أي ظرف، ينبغي عدم ايهام المسؤولين الأتراك، أو تأييدهم باقفال المضائق في لحظة غير مسيطر عليها من تصاعد التوتر. قبل مئة عام، كانت هذه المضائق والحسابات المحمومة بشأنها، سبباً أساسياً للحرب الكبرى.

المفارقة أن قراءة تريسمان التي لا تبحث عن تفسير الأحداث بـ»النمطية التاريخية» (غير التاريخية كونها ثابتة)، تعود فتحذرنا إلى عنصر خطير سبق أن تسبّب بحرب عالمية (بل هو السبب الأساسي لها بحسب مقاربة المؤرخ سين ماكميكين)، متصل بما تقوم به روسيا، من اوكرانيا حتى سوريا، ما دام الأسطول المنطلق من القرم يبحر إلى سوريا مروراً بالمضائق.

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: