عودة “سايكس-بيكو” بعد مئة سنة ويوم… مقال الكاتب الجزائري واسيني الأعرج

عودة “سايكس-بيكو” بعد مئة سنة ويوم… مقال الكاتب الجزائري واسيني الأعرج

قرن من الزمن مرّ على العالم العربي في مواجهة اتفاقيات سايكس- بيكو المضللة والخطيرة، ولا يزال داخل نفس الطاحونة الحارقة التي تعج بالضحايا وكأنهم في أسفل سلّم الكائنات التي لا تستحق العيش.

هناك حالة غريبة، حقيقة مستعصية الفهم على العربي تحديداً، هي رفض الحكّام العرب لرؤية ما يعيشونه اليوم بأنه نكبة بكل المواصفات. نكبة حقيقية وخطيرة لأنها منعت العربي من أية رؤية واضحة أو إمكانية للتطور. أكبر ما حلّ بالعرب اليوم هالك للزرع والضرع، ويتلخص في نكبتين: الأولى سقوط الأندلس.

ليس السقوط بالمعنى النوستالجي، فالأرض في النهاية عادت لذويها بعد أكثر ثمانية قرون ونيف، وهو أمر يدخل في طبيعة الأشياء. طبعاً العرب شيدوا حضارة كبيرة وثقافة عالية على مدار هذا الزمن كله، لكن، انتهى كيانهم هناك ولو أنه يمكننا أن نجادل طويلاً، وعادت الأرض إلى الأصليين من ذويها.

صحيح أن الملوك الكاثوليك كانوا من نوعية بائسة، لم يقدروا البعد الحضاري العربي الذي ورثوه، لكنهم قاموا بما أملاه عليهم واجبهم الديني كما تصوروه. فمحوا كل المعالم العربية الحية، وأنشأوا محاكم التفتيش المقدس في فترة الطرد والاسترجاع. ليس هذا ما أقصده طبعاً، لكن الفجيعة الأولى هي عملية طرد الموريسكيين.

ثلاثة ملايين مسلم ويهودي، من أصول عربية أو بربرية أو عبرانية، وجدوا أنفسهم بين يوم وليلة على حافة السواحل، لا حامي لهم إلا السماء والأرض والبحر. أكبر هولوكوست في التاريخ، حصل وقتها قبل أن يمحوه هولوكوست آخر مورس ضد الهنود الحمر الذي اجتث السكان الأصليين وشردهم وحولهم إلى عبيد.

البشرية تواطأت معه أو صمتت عليه، وبالتحديد أوروبا التي دفعت إسبانيا للإعتذار لليهود وأعطتهم الحق في استرجاع هوية أجدادهم وجنسيتهم الإسبانية، وهو أمر حضاري وإنساني طبيعي، لكنهم لم يعتذروا للمهجرين من المسلمين، الموريسكيين، الذين كانت غالبيتهم قد تمسحت. شيء غريب ولا يفهم. لنتخيل قليلاً تلك الحشود واقفة على حواف الموانئ الإسبانية القديمة تنتظر السفن الإيطالية التي ترمي غالبيتهم في البحر طمعاً في أموالهم ولا توصل إلى العدوة الأخرى، إلا القلة القليلة. كانت الضربة جافة وقوية. في العصر الحديث كانت المأساة العربية الثانية، كارثة سايكس بيكو التي مزقت الأرض العربية وأوجدت عليها دويلات هشة وتبعية، جزء منها للفرنسيين، والجزء الثاني للبريطانيين. وضع الإنكليز على إثرها الأمير فيصل حاكماً على سوريا التي انتزع منها لواء الإسكندرون في لعبة سياسية عسكرية فرنسية تركية واضحة لإبعاد تركيا من المشهد أو حتى اعتبارها حليفة، ووضع الأمير عبد الله ابن الشريف حسين، حاكماً على الأردن. وفصلت فلسطين عن بقية أراضي الشام، ووضع لها قانون خاص انتهي بتسليمها إلى عسكريي الهاغانا والشتيرن في لعبة إنكليزية- إسرائيلية واضحة. وبتسريبات سرية، يتمّ فضح اتفاقيات «سايكس بيكو» السرية لينتهي حكم الأمير فيصل في سوريا لأنها أصبحت منطقة فرنسية مع لبنان، وينقل إلى العراق في شكل شبه عبثي بعد أن استبيحت الأراضي العربية نهائيا. هناك لعب خطير بالمصائر العربية، لتي تحولت إلى رقعة شطرنج تتحرك فيها البيادق كما تشاء يد الأقوى. فقد تمزق نهائياً شيء اسمه العالم العربي، وتمّ إيجاد شرق أوسط جديد، ابتدعه الغرب الاستعماري من خيالاته وأوهامه وأحلامه، ليتمكن من الهيمنة على خيراته.

لم يكن إدوارد سعيد مخطئاً عندما اعتبر شرق اليوم بدعة غربية. محق في ذلك. ما الشرق الجديد إلا استمرار للشرق الذي رسخته اتفاقيات «سايكس بيكو» الخطيرة، الذي نشأت على إثره دول عربية تدين بالولاء للغرب لأنه أوجدها من عدم، وأخرى متمردة عليه واختارت مسالك أخرى أعليت فيها راية التحرر والمقاومة ضد سرقة الأرض العربية ونهبها، مثل سوريا والعراق ومصر، وغيرها، فوجب كسرها، وتدمير لحمتها الداخلية مثلما حدث في سوريا الطبيعية التي فصلت عنها مساحتان أساسيتان، هما لبنان ولواء الإسكندرون الذي منح لتركيا. لم يتغير الشيء الكثير اليوم، حلت محل سايكس بيكو الجغرافية والأرض، سايكس بيكو الطائفة والإثنية والعرقية ليكون التمزق العري أشمل. وسيتواصل بتواتر وتسارع كبيرين، وستنشأ دويلات على أساس عرقي، لغوي، طائفي. عبث بمصائر بشر كأنهم لا يستحقون العيش. المشهد التراجيدي الذي نراه اليوم يتأسس داخل الجحيم والحسابات الدولية، لا يخرج عن المسار التمزيقي الذي شُرِعَ فيه منذ أكثر من قرن، وربما كان أكثر خطراً وتجذراً، فما كان يقبل قديما كدولة اختزل في الإثنية أو الطائفية وبعدها بفترة قليلة سيتم اختزاله أكثر، في القبيلة. أوضاع اليوم تعيدنا بالضرورة إلى مأساة الماضي القاسية. المشكل الدائم كما ذكرت في بداية هذا الحديث هو أن المسؤول العربي غير معني بالمأساة التي تكبر عند رجليه حتى تحرقه. ومؤمن حتى الموت بأن ما حدث لجاره لن يمسه، فهو مهيكل ومنظم بشكل قوي وحمايته لمصالح الغرب الجشع، ستجعله في منأى عن القلاقل وكل سقوط محتمل وهو يعرف ولا يرى، أن صدام، مبارك، زين العابدين، القذافي، صالح كانوا التلاميذ الأوفياء للطاحونة الغربية البراغماتية، التي تضع المصلحة فوق كل شيء ، قبل أن تأخذهم العاصفة في دوامتها، مثلما عصفت بآخرين. الخيبات المتتالية هي التي صنعت يأس الشعوب العربية التي سدت في وجهها كل سبل التطور، فأصيبت بعدوى حكّامها. شعب بلا ذاكرة تواصلية إلا ما صنعته السلالات له، لا تأثير له في ركضه اليومي على معاشه اليومي في ممارسة تفقيرية ستهدم ما بقي واقفاً. الطرد اليهودي الإسلامي الجماعي، وخطط «سايكس ـ بيكو»، والثورات العربية، كلها دراما محبوكة بدقة، يتحمل فيها المسؤول العربي القسط الأكبر، والوافد الغربي التي تتحكم فيها روائح النفط والمعادن الثمينة التي تزخر بها الأراضي العربية.

قرن من الخيبات والسقوط الحر، ولم يتوقف نزيف العربي الذي يحتضر وينتظر من ينقذه، ومنقذه الأوروبي أو الأنغلوساكسوني، مشغول أيضا بأزماته الكثيرة والقوية التي هزت كل يقينياته. هذا الوضع في كليته، يشكل دراما محبوكة بشكل جيد.

لو تأملناها لوجدناها تشكل مساراً واحداً ومشتركاً، إن فهمناه، فهمنا شرطيتنا كعرب ورؤية الغرب الاستعماري لنا أيضا؟ نهاية العالم العربي كقوة ضاربة، هو المبتغى الغربي الإسرائيلي، وهو ما يجـــــب على العــرب تفاديه لأنه سيكون إيذاناً بنهايتهم كقوة حضارية وإنسانية، في عصر آت لن يكونوا داخله.

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: