هيكل و رحلة البحث عن شرعية السيسي!.. (مقال/ الصحفي سليم عزوز)

أخيراً، أذاعت قناة « سي بي سي»، مقابلة محمد حسنين هيكل، التي آثار قرار إلغاء بثها الكثير من الجدل، وليس فيها مما قيل وحال دون إذاعتها في الموعد المقرر.
فقد قيل إن الحلقة سجلت قبل «عاصفة الحزم»، وفيها تنبأ «الأستاذ الكبير» بأن السعودية لن تقدم على الدخول في حرب مع الحوثيين في اليمن، ولم يكد يغادر الأستوديو، حتى بدأت «عاصفة الحزم»، وليس في الحلقة المذاعة أي إشارة لذلك، فربما تم حذف كلامه في هذا الجانب، حرصاً على مصداقيته وهو الذي لم تصدق له نبوءة قط، بما في ذلك إعلانه الحاسم أن البيت الأبيض ليس مؤهلاً لاستقبال رئيس أسود، فإذا بالرئيس الأسود يفوز بدورتين!

وربما كان ما أذاعته « سي بي سي»، هو إعادة تسجيل للحلقة الملغاة، لأنه نشر على نطاق واسع أن المنع كان بقرار من السيسي، لأن هيكل هاجمه، ومن قالوا هذا الكلام لا أعرف من أين جاءوا به، فهيكل هو في الواقع «ولي أمر» عبد الفتاح السيسي، والمتعهد بعملية تقديمه للرأي العام، ولو بالغش والتدليس، لكن تبدو مشكلة صفحات التواصل الاجتماعي، أنها جعلت من كل صاحب صفحة صحافي، وجرى الخلط بين التخمين والتحليل، وأصبحت أي فبركة، معلومات رصينة حصل عليها صاحب «الأكاونت» من مصادره العليمة، أو المطلعة… ولا بأس فالحال من بعضه!
للقراء الذين يصابون بالارتباك من جراء عملية الاستطراد أن يكتفوا بهذا القدر، ويغادروا لمقال فيصل القاسم غير مأسوف عليهم.

لقد عرف الوسط الصحافي المصري، ظاهرة الصحافي العليم ببواطن الأمور، الذي ينشر تفاصيل اللقاء المنفرد، بين «كلينتون» والسيدة حرمه «هيلاري»، والتي تخللها دخوله «التواليت مرتين»، وعاد ليستكمل المفاوضات، وهي مصرة على الطلاق، وهو يرفض، قبل أن تتطرق المفاوضات لمناقشة الموقف من أسلحة الدمار الشامل في منطقة الشرق الأوسط.

عندها يمكن القول إن مصادر الصحافي إياه العليمة تتمثل في «كلينتون»، وربما في «السيدة حرمه»، لكن يصبح الأمر عصياً على الفهم عندما يتم نشر ما دار بين الرئيس الأمريكي ونفسه في المرتين التي دخل فيهما «الحمام» ليقضي حاجته، وكيف أنه تمنى أن تنطلق قنبلة باكستان النووية من معقلها لتصيب «هيلاري» في مقتل. والمعنى هنا أن هذا الصحافي اتخذ من الجان مصدراً له، وربما كان المصدر المطلع هو «القرين»!

هيكل والضياع
ربما كان الحديث المتداول عن هجوم هيكل على السيسي هو الدافع لإذاعة الحلقة بعد موعدها بأسبوعين، لنقف من خلالها على أن الحب العذري لا يزال هو المسيطر على هيكل في علاقته بعبد الفتاح السيسي، إن شئت فقل إن الأول متيم بالثاني، ويرى فيه ما لا نراه، فيتحدث عنه بإعجاب، وكأن حديثه عن «الزعيم الملهم». وهو أمر له ما يبرره عندي فقد انتشل السيسي هيكل من حالة الضياع التي كان يعيش فيها، منذ أن أبعده السادات عن دوائر السلطة، ولم يهضمه مبارك ليقربه منه، لأمر مرتبط بقدرات المخلوع الذهنية المحدودة، مع شخص استعراضي، يستعرض معلوماته وتحليلاته ليظهر من بجانبه أنهم تلاميذ!

هيكل استطاع أن يجعل من اسمه مهنة، ومن مهنته أهم من وظيفة رئيس الجمهورية، لكنه مع ذلك يحب العيش في «البلاط»، ومن يدرس علم الأنثروبولوجيا، يمكنه أن يفهم «نفسية» هيكل بسهولة، إنه وإن بدا منذ بداية عمله بالصحافة متجاوزاً لطبقته، فإنه يسيطر عليه تأثير الثقافة الحاكمة على الريفي رقيق الحال، الذي يكد، حتى يتجاوز طبقته بموقعه المرموق، فقد يدخل كلية الشرطة، وعند تخرجه يذهب لخطبة ابنة «عمدة البلد» العانس… فعلها مبارك عقب تخرجه من الكلية الجوية، لكن «العمدة» رفض أن يزوجه ابنته، لأنه كان صاحب عقلية قديمة ورأي أن التعليم لن يساوي أبداً بين الرؤوس فذهب مبارك بعيداً، ولمن لا تحكمهم المعايير البالية، ولمن هم أقرب للمستشرقين منهم لأبناء البلد، فخطب المستشرقة «سوزان»، وأمها انجليزية الأصل، وأسرتها ليست مشغولة بالأصل والفصل، وللعلم أن والدة جيهان السادات انجليزية أيضاً، وكذلك والدة حرم قائد الانقلاب… وكأنه من شروط الولاية أن يكون رؤساء مصر أن يكون خال أبنائهم «توني بلير»، أو كأن مشكلة الرئيس محمد مرسي تكمن في أن خال أبنائه مصري!

وقد حاول هيكل التقرب من المجلس العسكري، لكن المشير محمد حسين طنطاوي، ورث من المخلوع أجندته، فكان يكره كل من كان يكرههم، فحرص أن تكون علاقته بالكاتب الكبير في حدودها الدنيا، كما لفظ الدكتور محمد البرادعي لأنه عدو لمبارك، وكان بعد ذلك حوار الكاتب الكبير في جريدة «الأخبار» الذي جاء فيه هذا العنوان: «المجلس العسكري ارتكب جرائم»، وبدلاً من يكون هذا بمثابة رسالة للحاكم العسكري يقول له فيها الكاتب «نحن هنا»، تم وضع ابنه رجل الأعمال على قوائم ترقب الوصول!

وجاء مرسي وحاول هيكل أن يكون في بلاطه، لكن لأنهما ينتميان إلى عالمين مختلفين، فقد ضاعت محاولات القرب في الحلقة الأولى «مع لميس الحديدي» سدى، وجاء السيسي ليعامله على أنه «المفكر الضرورة»، ولا ريب فهيكل هو «عراب الانقلاب»، وقد أمسك في هذه اللحظة التاريخية بيديه وأسنانه، فهو كما وصفه صلاح عيسى في مقال قديم بمجلة «الهلال»، «كاهن يبحث عن فرعون». وها هو الفرعون!
والفرعون هنا بمعنى الحاكم، فأنا ضد وصف السيسي بأنه فرعون وديكتاتور من حيث الصفات، لأنه بقدراته المتواضعة، وثقافته المنعدمة، يمثل إساءة للفرعونية القديمة، ولمفهوم الديكتاتور تاريخياً.
في حلقة الأسبوع الماضي مع لميس، بدا هيكل مثل الشخص الذي يحيي «الأفراح الشعبية»، وهو كائن تراه في كل فرح، يمسك بالميكروفون، ليقوم بتحية «العريس والعروسة، وأهل العريس وأهل العروسة، والمعازيم الذين شرفونا»، دون أن تكون له صفة، وعلى أيامنا كان هو الشخص الذي يقف في «الموالد» ويجمع «النقوط»، وفي النهاية يقوم بتسليمه لمن له حق استلامه حسب الأعراف والتقاليد، وقد يكون هو «المنشد وفرقته»، حسب الاتفاق، دون أن يحصل على شيء، فقد أشبع رغباته بتصدر المشهد، واستعراض طبقات صوته!

مولد شرم الشيخ
المقابلة كانت بعد «زفة» المؤتمر الاقتصادي بشرم الشيخ، لتذاع عشية القمة العربية، ولأن «ما جرى» أريد له أن يكون « فرحاً» على طريقة الأفراح الشعبية، وكان «العريس» هو السيسي، فقد سعى هيكل ليستدعي ثقافة «الأفراح» بتصنع السعادة، وتعامل مع ما جرى على أنه تأكيد لشرعية السيسي، فلا يزال يسيطر على القوم هاجس أن صاحبهم يفتقد للشرعية، فرأى في «الجمع الكريم» أنه علامة على الشرعية، وأن «ما جرى» مثل دفعة مهمة في هذا الاتجاه!

وماذا جرى؟!… فالعائد الاقتصادي من وراء «مولد شرم الشيخ»، لا يمثل قيمة تذكر، إذا ما قارنا ما قررته المملكة العربية السعودية كاستثمارات في المؤتمر، وما قررته لتركيا، وإلى الآن لم يصل دولار من كل ما أُعلن على قلته، وحتى مشروع العاصمة الجديدة، تبين بتصريحات السيسي نفسه المنشورة في صحيفة «الأهرام» أنه مثل مشروع مكافحة الفيروسات بالكفتة!

هيكل يعلم أن ما جرى في شرم الشيخ ليس أكثر من «عشرة بلدي»، ولتقريب المسألة لغير المصريين، فإذا كانت فقرة الرقص للراقصة تسمى «وصلة»، فإن فقرة المشارك في «الطبل البلدي» تسمّى «عشرة» يضاف إليها صفة «البلدي» لزوم التحديد!

ولأن هيكل يعلم أن ما جرى ليس أكثر من «عشرة بلدي»، فقد أعلن أن العائد الاقتصادي من مؤتمر شرم الشيخ، ليس هو الموضوع، فالموضوع هو هذه «العشرة»، التي احتشد فيها القادة من كل أرجاء المعمورة في « فرح العمدة»، فضلاً عن أن هناك «فرحا جديدا» في الغد، يتمثل في القمة العربية، وهذا دليل من وجهة نظره على أن مصر استعادت مكانتها.

وأنا استمع لوصلة «الفهلوة» هذه، لا أعرف لماذا تلبسني إحساس جارف بأنني في «مولد»، وأن «نشالاً» محترفاً أشاهده أمامي، يقوم بخفة بسرقة ما في جيوب الناس، فتحسست حافظة نقودي بشكل تلقائي. وفي حالة هيكل لابد أن تتحسس عقلك لكي تتأكد: هل ما يزال في مكانه أم تم «نشله»!

لقد قرر الكاتب الكبير إزاء هذا الحضور الطاغي للمعازيم في شرم الشيخ، أن يمنح السيسي شرعية مختلفة، فهو عنده قد انتقل من «الرئيس الضرورة»، إلى الرئيس بالاختيار، وعندها لمعت عين لميس الحديدي الشمال!

الصفة الأولى منحها إياه الكاتب مانح الصفات، ليبرر أن «الرئيس الضرورة» ليس بحاجة لتقديم برنامج للناخبين يمكن لهم أن يحاسبوه عليه، وهكذا تمكن صاحبه من الترشح بدون أن يلتزم بشيء، وبدون أن يقدم برنامجاً في سابقة انتخابية لم تحدث إلا في عصر ما قبل الدولة… حسناً ها هو وقد صار رئيساً بالاختيار عليه أن يقدم برنامجه للناس، ويبدأ في إجراء انتخابات رئاسية مبكرة، لأن الشعوب هي التي تمنح الشرعية، فشرعيات الحكام لا يتحصلون عليها في «الموالد» وعن طريق «الزفة»!
للأسف فإن «هيكل» ربط مصيره بمصير الانقلاب، لذا هو يدافع عنه «بالباع والذراع» ويحتشد من أجل تخليق شرعية لوضع غير شرعي، فإذا لم ترتب المظاهرات سيئة السمعة في 30 يونيو / حزيران والمخطط لها، شرعية للسيسي، فيكون السعي عن طريق الانتخابات التي خاضها المذكور ضد نفسه، وكانت اللجان فيها فارغة من الناخبين وعلى مدى ثلاثة أيام، إذن فليكن البحث عن الشرعية في «الموالد»، مع تحول كل هذا بما في ذلك مؤتمر شرم الشيخ إلى أنقاض.
في شهر أكتوبر/تشرين الأول القادم سيكون مولد سيدي أحمد البدوي اذهبوا به إلى هناك.. لعل وعسى!

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: