نـقـر على نــول نسيج الحرير الآت… مقال الكاتب التونسي سامي باللّعج

نـقـر على نــول نسيج الحرير الآت… مقال الكاتب التونسي سامي باللّعج 

ينكمش الحقّ أحيانا كقطعة قماش حريريّة تراصّت تحت خرق كثيرة..فتندرس الصّور الجميلة و المطبوعة في الحرير تحت رداءة المشهد المتكدّس بالأسمال البالية والثّياب المهترئة..

و ما يحيّر الألباب أنّ كلّ المتهافتين على ستر الشّنيع يتهامون إلى هذا المزاد العلنيّ المبتغي تسويق ألبسة المساكين فيزيدون في انكماش الحرير و تراصّ الحقّ تحت نير أثقال القطع البالية النّافرة كبالوعة متفجّرة طال أوان انطمارها و انطماسها !! تصير الألوان الزّاهية للحرير النّاعم مغمورة تحت أباطيل المتكدّس المقصود من أجل بيع مخسر لطالب الأرباح الملهوف و مربح للمتهافت على التّرويج المأمول. حرائر الحقّ و حرير القوامة المهطعة لهنّ صاروا لفائف منكمشة على بعضها و مواراة تحت بضاعات البيع العلنيّ في أسواق النّخاسة التّائقة لإحياء مقايضة عبيد التّطبيع بأسياد استرذال القطيع..و لا ألبسة تستر العري المندلق كبشرة محترقة من على جثامين مكتوية.

[ads2]

إنّها نار الإستسلام اللاّهبة تأتي على أخضر الإنتماء و يابس الإستلاب..فتعمّ حرائق الوجع الشّديد على تلاع جبال الأصالة و العرق التّليد..فتتحوّل قمم رجاءنا القديم إلى فوّهات غرابيب سود تنقذف منها شرارات الحمم لتزيد من حمأة العطب و لعنة السّقر المقدّر من قبل معاد البشر.

يا لهذا المشهد المأهول بالضّجر..و يا لهذه الكارثيّة الموصولة بسعي حثيث من لدن من فينا يحتضر..و شهادته الأخيرة تسليم أرعن لمن أعياه استعمارنا و استغلالنا حتّى البطر!! كلّ ترتيب في إتمام صفقات المقايضة – قد أخبت للرّسوم الكونيّة و أخفض جناح الذلّ للمعاهدات الجنونيّة و ليس في مقدور السّتر الحريريّ لأبدان اللّهف الرّبيعيّ غير إظهار مفاتن العري المعرفيّ و براءة التجلّيّات القيميّة و نعومة الحياء الفطريّ. ما عاد في أكوام أردية العولمة و تبابين الخصخصة و قفّازات الوكالة غير ما ختموه بنجوم سداسيّة و شمعدانات ربّانيّة و صلبان كهنوتيّة ..

و ليس للحرائر المغمورة تحت هذا الرّيع الهبويّ غير النّفور الأحمق من كلّ نسيج حاكته أيادي التّأصيل مع الهويّة و الدّين. و هذا هو نول الإنتماء ذا الألواح المعدّة لحمل الأجساد المكفّنة و المتغفّنة – يتضائل أمام آلات التّجريب و التّخريب -الحاصدة لسنابل أينعت حديثا من أجل التّنبيه إلى مغبّة التّطبيع. و لكن ذائقة الإنصات إلى منبّهات الخطر الدّاهم تحلّلت إزاء حموضة الأوهام المرائية و الجميلة بتسمّع ملاحم الحضارات المردية حياة نوعنا قتيلة غيلة..فهل قدرنا أن نظعن لهذا الغول القادم من وراء البحار المتلاطمة الأمواج كما المارد من أعتى قمّ لآخر قنانيّ الحكمة السّليمانيّة..أم قدرنا أن نناظر السّلحفاة التّليدة في الحضارة..فنشفط امتدادات تألّقنا بدءا برأس الشّرعة و منتهى بأعضاء الإستنان المتنوّر في ظلام السّير البشريّة المدنّسة ؟؟

[ads2]

كيف يعقل أن نهجر المقدّس المشرق فينا كشمس ربيعيّة هادئة و كيف نستعيض عن نجوم الهدي القمريّ البدريّ بشهب الرّجم الكونيّ المستفحلة كدمّلات منقعرة تفوح منها روائح انكسارات العطن و رواسب قذارات الأسن ؟؟ بل كيف نرضى بتتبّع العدم على ممشى التولّه المعتوه بأحقاد القدم ؟ و نشيح بأنظارنا الوالغة في امتصاص ذكريات الألم و الجمر و الدّم ..- نحو أوهام الإنبهار بمستوردات السّتائرالمزكشة و المانعة لتفحّص رؤية العيون الحارسة للهمم ؟ إنّها بضاعات كمّيّات الملبوسات المغرية من بعد تدنيسها بتجارب النّزوات الغارقة في رعونة الإستبدال الدّائم على حساب حقوق الإنسان الّذي بفقره هائم !! إنّها نخاسة الزّمن الحديث حيث العبوديّة العظيمة لمن يدفع أكثر على حافتي نهر جريان القيم و الأخلاق و المروءة..و لا يبقى أسفل نهر الإندياع نحو استلابنا غير حصى العصيان المتأهّل للجمع الوشيك من قبل جنود ليل المكائد المظلم من تحت مناطيد التّهيئة الكونيّة لـســجّـيـل الأبابيل المستنسخة عن الأقدار الربّانيّة ..

أمّا حجر الثّبات على الهويّة فكلّ تيّاراتهم العدوانيّة تخاف جلاميده المستشرية كما الحرّاس على مصدر الرّواء الوحيد..و ليس في مقدور ماء الوجوه المنسلخة عن بجدتها غير الإنعطاف ميامنة و مياسرة لتكملة وهم الطّوفان المغليّ فوق مرجل الإنبهار المعلن بشروق الشّمس من مغرب الأرض !! الحرير صار مرذولا و الحرائر صرن للمفتونين جنونا و لمرضى الشّبق مجونا..و تكالبت جموع المفتّشين عن خرق الكساء من بعد طول أمد عري – على مجرورات الباعة الهاتفين بنفاذ صبرهم من رزق كريم..و ليس في الباعة من له حكمة التّنقيب عن أسافل هبات دول الصّقيع أو له رزانة إمعان النّظر في مجرورته من قبل اللّهف على عطايا الصّليب . و لو أنّ هؤلاء الباعة الّذين تتناظر سنح تهافتهم المستعجم – أمعنوا الرّؤية – لكفتهم معجزات دودة الحرير الّتي في أوطانهم مقعية – مؤونة التّكالب عن صرخات مؤرقة -يزيدون بها رداءة الاوضاع المخزية.

و لكن لا الصّرخات أخبتت و لا طوابير الجموع للسّتر اهتدت ..و لم يتبقّ غير هوامش لولبيّة من افتكاك البعض لما يروق البعض الآخر من شراشف الإغراء المعلن و الإفتتان المغدق . كم يلزمنا من أزمان حتّى نعي لطيفة روعة الإستـتـار بما تسنّى لنا في الدّيار ؟ و كم تهاوينا في أعاصير الإختيار المزعوم أنّه وعي من طينة الإفتخار .. و تناسينا مدد الحرير المزركش بحور حرائر الحرّيّات المتتـلـبّـثـة في أحلامنا كأجمل الفاتنات الموصولة بمفاتيح غيب التّسليمات .

إنّها مفارقة أزمان أبشع الوساوس و التّهويمات و لا عتق لنا إلاّ باستفاقة حتميّة من مغبّة الإسقاط المدوّي.. حين المراهنات بين صروف استلاب الخزي و العذابات و شرعة -لنا فيها – كلّ النّجاة .

سامي بللّعج

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: