حمار “جحا” و إعلام الــرّدى.. مقال الكاتب سامي بللّعج

لا زال إعلامنا الموقّر! يثير القلاقل و يستثير البلابل و لم يفتأ يشهر أسلحة دماره الشّامل من قنابل ” إحباطيّة ” و براميل مشتعلة من إفلاس اقتصاديّ شامل.. و صواريخ باليستـيّة حاملة لأوامر صندوق النّقد الدّولي و لإملاءات أراكنة الأمم الطّامعة في خيرات بلادنا الّتي لا عرفان من أيّ كان بــــها ! و لا قدرة لأيّ كان و خاصّة من شرفاء هذا الوطن على إيقاف هذا النّزيف الهمجيّ و الممنهح و الّذي يراد منه إقحام البلاد التّونسيّة في دوّامة الإحساس المكين بالعجز التامّ و مربكة الإقتناع المغالط بانهيار اقتصاديّ شامل و مدوّي !

و يكاد معظمنا يتّفق على سيلان ذاك الكمّ الهائل من الشّفقة تجاه كلّ أولئك الّذين وجدوا أنفسهم بين مطرقة أعمق غــور لدولة استبداديّة غابرة لكنّها تأبى إلاّ أن تسجّل حضورها ، و سندان هامش من سلطة مقيتة فرضت عليهم واقع الإنسجام المخالف لنواميس الطّبيعة ، مع من ساموهم لعقود طويلة سوء العذاب !

هؤلاء ما أشبه لبوسهم لسرابيل السّلطة بأسطورة المخيّلة الشّعبيّة لــجحا حين هبوطه للمدينة من بعد عقود طويلة في غيابات القرية البسيطة و المسالمة . و كلّنا يستحضر في أسى لا طائل من تذكاره ، تلكم الفترة الّتي تلت أوّل عرس انتخابيّ تعدّديّ و حقيقيّ لشعبنا التّونسيّ المحكوم بالرزيّة و بطول عهد البليّة ، و من في مقدوره نكران تلكم الآمال الّتي تعلّقت بها هممنا حين طمعت نفوسنا الحديثة العهد بالثّورة في القصاص من زمرة الّذين سوّلت لهم نفوسهم الحقودة التّنكيل بأبناء بجدتهم لمجرّد كونهم عشّاقا هائمين بهويّة الأجداد و قداسة دين العباد .. حينها و من بعد اعتلاء أوّل متّفق عليه شعبيّ و تونسيّ ، كنّا نعايش يوما بيوم إحباطاتنا المبكّرة و ذاك اليقين الّذي تربّى على عقولنا المستوعبة بمرارة الأسى لحجم الدّولة العميقة و لإفرازاتها الحويطة من حدائق خلفيّة للقرارات السّياسيّة الكبرى و المملاة من قبل أشرس استخبارات الدّول العظمى. فــألفينا ، آنذاك ، أنفسنا متماهين مع نفس الــ”جحا” الّذي توعّد أهل قريته بالإجماع ، حين اكتشف سرقة حماره ، بأنّه سيتصرّف بمثل صولة والده مع اللّصوص المتوقّعين في صورة عدم إرجاع المسروق في ظرف لا يتجاوز دورة اليوم الواحد .. و كان توجّس أهل قرية “جحا” على أشدّه من هذا الوعيد إلى حين أزوف ميقات ردّة فعله .. و حين حلّت ساعة الصّفر توجّه أعيان هذه القرية إلى الشّخصيّة الأسطوريّة لامتصاص احتمالات الوعيد ، لكنّ “جحا” فاجئهم بالقول : — ..سأدهب من غدي إلى سوق القرية و سأشتري حمارا جديدا ، تماما ، مثلما قد كان فعل أبي حين سرقوا دابّــتــه ….

لذلك ليس من الغرابة أن يتعامل إعلامنا الموبوء بالطّبع الإستبداديّ بمثل هكذا عنجهيّة و صلفا مع مثل هؤلاء الّذين لم يرتقو إلى مستوى انتظارات من خوّلوا لهم اعتلاء سدّة الحكم ذات حركيّة ثوريّة عاتية كانت قد سادت ثمّ بادت من جرّاء الهزائم المبكّرة و الإحباطات الّتي انثالت تــتــرى مع تجدّد العهد بكلّ خيبة أمل من القريب المنتخب و بكلّ هيضة لعوب لهيبة دولة درجت على إرث المستبدّ الأكبر ! لقد عاد الإعلام بأذرعه الأخطبوطيّة إلى الإلتفاف على أدمغة شعب برمّته لتأطيرها ضمن سياقات التجرّد الكلّيّ من الخيار السّياسيّ المبنيّ على الإمكانات الكامنة في المقدّس الدّينيّي .

و في الحقيقة لقد ألف هذا الإعلام “جحا” الحمار المنهوب ، كما قد ألف هذا الأخير ريح سموم هذا الإعلام الحويط بفضل إغداقات سادته من لوبيّات التدخّل السّافر في شأننا الوطنيّ المريض . لكنّ المشترى أو المقتنى البديل ، عن الّذين من واجبهم تأمين الحمار الوطنيّ من الإختلاس العالميّ المعلن ، قد طالت أيّام اعتلانه لهذا الرّأي العامّ القابع بين متاريس أكاذيب الإفلاس الإقتصاديّ و جحافل التربّص العالميّ لأراكنة الدّول العازمة على نهب “تونس” منّا و لو كان ذلك آخر عمل استخباراتيّ جبّار تقوم به في أعوام تجسّسها العتيقة .

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: